التداعيات الأمنية للأزمة السورية كانت واضحة بلبنان (دويتشه فيلله)
  أحمد السباعي
 
 دخل لبنان العام 2012 فعليا بدوامة الأزمة السورية، حيث ترجمت إرهاصاتها في بلاد الأرز قتلى وجرحى في اشتباكات بمناطق متفرقة، واغتيال قائد أمني بارز، ومحاولات اغتيال وقصف على المناطق الحدودية، ناهيك عن تفاقم في الأزمة السياسية التي لا تكاد تفارق هذا البلد، كما خلق أزمة سياسية جديدة جراء قدوم عشرات آلاف النازحين من السوريين والفلسطينيين.

بداية العام كانت كارثية منتصف الشهر الأول بسقوط 27 قتيلا بين لبناني وأجنبي في انهيار مبنى في بيروت. وفي فبراير/شباط، اجتاحت لبنان كوارث أمنية متفرقة كانت تنفذ تباعا، مندرجة في خانة التجارة بأرواح البشر، عبر عمليات خطف لمواطنين في مناطق متفرقة والإفراج عنهم مقابل فدية مالية.

وفي الشهر نفسه انتقل التدهور الأمني إلى طرابلس، إذ قتل عدة أشخاص أثناء اشتباك مسلح بين منطقتي جبل محسن (ذات الأغلبية العلوية المؤيدة للنظام السوري) وباب التبانة (ذات الأغلبية السنية المؤيدة للثورة). وتدخل الجيش اللبناني الذي جرح ستة من جنوده، وساور الناس الخوف من أن يمتد الصراع الدائر في سوريا إلى لبنان.

في مارس/آذار، استفاق اللبنانيون على صدمة تجلت في انكشاف أطنان من اللحوم والأسماك والأجبان والدجاج الفاسدة، وأدت الفضيحة إلى بث حالة كبيرة من الهلع عند المواطنين.

اشتباكات طرابلس المتكررة أوقعت عدة قتلى (رويترز-أرشيف)
تدهور الأمن
أما في أبريل/نيسان، فاتجه الوضع الأمني إلى الأسوأ، وارتفع معدل سقوط القتلى عن العام الماضي، نتيجة جرائم قتل وإشكالات فردية.

وفي مايو/أيار سقط قتيلان في بيروت باشتباكات مسلحة عنيفة في بيروت بين عناصر "حزب التيار العربي" الموالي للنظام السوري، وشبان يقطنون في المنطقة التي يقع فيها مقر الحزب. كما اختطفت مجموعات مسلحة بسوريا أحد عشر لبنانيا -أفرج عن اثنين منهم - أثناء عودتهم من إيران قيل إنهم كانوا في زيارة دينية.

وانفجر القتال في مايو/أيار على خلفية الأزمة السورية، فشهدت مدينة طرابلس عدة جولات من القتال بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة سقط فيها قتلى وجرحى. وفي الشهرين التاليين حفلت أيام لبنان بحوادث أمنية، بينها الاعتداء على محطة تلفزيونية كانت كفيلة بإشعال بيروت بمواجهات وعمليات كر وفر بين السكان والقوى الأمنية، كما شهد اعتصام وسط مدينة صيدا الجنوبية للشيخ السلفي أحمد الأسير للمطالبة بتسليم سلاح حزب الله وإعادة النظر في سياسة الحزب وحركة أمل في تأييدهما للنظام السوري.

لكن الخطف في لبنان عاد في أغسطس/آب، وتعرّف اللبنانيون ما يسمى بـ"الجناح العسكري" لآل المقداد، من خلال مسلحين ظهروا على وسائل الإعلام يعلنون اختطاف مواطنين سوريين وأتراك، وذلك ردا على خطف حسان المقداد، من جانب سوريين معارضين للنظام.

كما تم في الشهر نفسه توقيف وزير الإعلام اللبناني الأسبق ميشال سماحة المقرب من دمشق بتهمة التورط بـ"أعمال إرهابية" بواسطة عبوات ناسفة، والتخطيط لقتل شخصيات دينية وسياسية، كما ادعى القضاء اللبناني بالقضية نفسها على مدير مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك.
وفي سبتمبر/أيلول تمكن الجيش من تحرير أربعة سوريين كانوا لدى عشيرة المقداد، كما أطلق شخص تركي باتفاق يقضي بأن تعمل تركيا على المساعدة في إطلاق حسان المقداد.

أما أكتوبر/تشرين الأول فلم يكن أفضل حالا، حيث ضرب لبنان زلزال أمني كبير تمثل باغتيال رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللواء وسام الحسن، وبعد الاغتيال بيومين، عادت الفتنة لتطل برأسها من بيروت، عندما حاول بعض الشبان المسلحين، ليلا، التقدّم صوب "خطوط تماس" الحرب الأهلية، واندلعت اشتباكات امتدت ساعات وسقط فيها قتيل وجرحى، لينتقل مسلسل التشنج الطائفي كالنار في الهشيم إلى طرابلس.

الحادث الأخطر الذي كاد يكون شرارة "حرب جديدة" فهي الاشتباكات المحدودة التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني بين أنصار الشيخ الأسير وعناصر حزب الله في منطقة التعمير بصيدا
شرارة حرب
والحادث الأخطر الذي كاد يكون شرارة "حرب جديدة" فهي الاشتباكات المحدودة التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني بين أنصار الشيخ الأسير وعناصر حزب الله في منطقة التعمير بصيدا قرب مخيم عين الحلوة للفلسطينيين سقط فيها ثلاثة قتلى بينهم مؤيدان للأسير وجرح مسؤول حزب الله في المدينة.

واستمر تأثير الأزمة السورية على البلاد، فقتل 21 لبنانيا كانوا في طريقهم للقتال إلى جانب المعارضة المسلحة في سوريا، في كمين نصبه لهم الجيش السوري بمنطقة تلكلخ السورية القريبة من الحدود اللبنانية.

ومهدت هذه الحادثة لاشتباكات غير مسبوقة في الشهر الأخير من السنة بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة استمرت لعدة أيام وسقط فيها ستة قتلى وعشرات الجرحى.

وطوت السنة صفحتها اللبنانية مع تسليم عشرة جثامين تعود للقتلى اللبنانيين على ثلاث مراحل. وأجبر جحيم المعارك الدائرة في سوريا عشرات آلاف السوريين وآلاف الفلسطينيين للنزوح إلى لبنان.

وقد أثرت الأزمات السياسية على الاقتصاد وجعلته على شفا الانهيار، خاصة بعدما وجهت الأزمة السورية ضربة قاضية لقطاعي السياحة والخدمات اللتين يعول عليهما لبنان في دخله الوطني، وازداد الأمر سوءا عندما قاطعت دول الخليج العربي لبنان وحذرت رعاياها من التوجه إليه.

ورسم رئيس اتحاد الغرف اللبنانية صورة سوداوية، إذ حذر من إغلاق مئات المؤسسات السياحية وغير السياحية في الأشهر الثلاثة من بداية العام المقبل، مشيرا الى أن أربعة من أكبر فنادق لبنان معروضة للبيع، وأغلق 124 مطعما في بيروت فقط في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، كما أغلق 254 محلا تجاريا في الوسط التجاري.

المصدر : الجزيرة