سقط قتيلان على الأقل وأصيب عشرات آخرون في مواجهات شهدتها مدينتا اللاذقية وجبلة شمال غرب سوريا مع قوات الأمن, وتوافد مئات المحتجين على وسط مدينة درعا بالجنوب في إطار احتجاجات تطالب بالإصلاح, بينما أطلقت السلطات السورية سراح 260 معتقلا ضمن إجراءات أخرى متوقعة للتخفيف من التوتر.

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول سوري رسمي -لم تسمه- إن شخصين قتلا برصاص قناصين "مجهولين" في اللاذقية الواقعة على البحر المتوسط شمال غرب سوريا.

وفي هذا الصدد, اتهم الناشط الحقوقي السوري عمار القربي قوات الأمن السورية بقتل محتجيْن حاولا إحراق مقر حزب البعث الحاكم في اللاذقية.

وتحدث خطيب مسجد الرحمن في اللاذقية خالد كمال للجزيرة عن "مجزرة", مشيرا إلى أن قوات الشرطة كانت تطلق النار على المتظاهرين بشكل عشوائي.
وفي درعا, أطلقت قوات الأمن الغاز المدمع لتفريق مئات المحتجين الذين نظموا اعتصاما في أحد الميادين الرئيسية للمدينة الواقعة في جنوب البلاد.

وقال شاهد لرويترز "كان عدة مئات من الشبان يحاولون تنظيم اعتصام وفرقتهم قوات الأمن المركزي التي أطلقت عليهم الغاز المسيل للدموع", مشيرا إلى أن المحتجين طالبوا بإسقاط حكم الرئيس بشار الأسد.

وفي وقت سابق, ذكر شهود عيان أن المتظاهرين توافدوا على الساحة الرئيسية للمدينة لمواصلة الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح.

مبنى حكومي تعرض للحرق في درعا (رويترز)
وقالت رويترز نقلا عن شهود إن ثلاثة من الشبان المحتجين صعدوا إلى ما تبقى من تمثال الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد الذي حطمه المحتجون أمس الجمعة ورفعوا لافتة ورقية كتب عليها شعار "الشعب يريد إسقاط النظام".

كما أحرق محتجون مبنى حزب البعث ومركزا للشرطة في قرية طفس القريبة من درعا, أثناء تشييع آلاف الأشخاص جنازة محتج قتل أمس الجمعة في درعا.

وكانت الاحتجاجات قد انتشرت أمس في أنحاء سوريا في ما وصفته رويترز بتحدِّ لحكم أسرة الأسد المستمر منذ 40 عاما, بعدما قتلت القوات السورية عشرات المتظاهرين في جنوب البلاد.

وقدرت منظمة العفو الدولية عدد القتلى في درعا خلال الأسبوع المنصرم بـ55 على الأقل، رغم تحدث سكان محليين عن مقتل مثليْ هذا العدد حتى قبل الجمعة, في حين قال مسؤولو مستشفيات يوم الخميس إن 37 شخصا على الأقل قتلوا عندما دمرت قوات الأمن مخيم محتجين مطالبين بالديمقراطية في مسجد يوم الأربعاء.

ونقلت رويترز عن إبراهيم -وهو محام في منتصف العمر- في درعا قوله إن "حاجز الخوف انكسر، وهذه خطوة أولى على الطريق نحو إسقاط النظام"، مضيفا "وصلنا لنقطة اللاعودة".

وفي بلدة الصنمين التي تقع في نفس المنطقة الجنوبية لمدينة درعا، قال سكان محليون إن 20 شخصا قتلوا عندما أطلق مسلحون النار على حشد خارج مبنى تستخدمه المخابرات العسكرية.

وذكرت وكالة الأنباء السورية أن قوات الأمن قتلت مهاجمين مسلحين حاولوا اقتحام المبنى في الصنمين.

وفي حماة بوسط البلاد, قال سكان إن متظاهرين تدفقوا على الشوارع عقب صلاة الجمعة وهتفوا بشعارات داعية إلى الحرية. وكان الرئيس الراحل حافظ الأسد قد أرسل قواته إلى حماة عام 1982 لسحق ما وصف بتمرد مسلح لحركة الإخوان المسلمين، مما أسفر عن مقتل الآلاف.

بثينة شعبان وجهت أصابع اتهام
إلى فلسطينيين (الفرنسية-أرشيف)
مشروع طائفي
في مقابل ذلك اعتبرت المستشارة الرئاسية في سوريا بثينة شعبان أن الأحداث التي تجري حاليا في سوريا "تندرج ضمن مشروع طائفي يحاك ضد سوريا، ولا علاقة له بالتظاهر السلمي والمطالب المحقة والمشروعة للشعب السوري".

وقالت بثينة في لقاء مع الصحفيين في دمشق "ما تأكدنا منه حتى الآن بعد أن اتضحت بعض الصور، أن هناك مشروع فتنة طائفية في سوريا".

ووجهت بثينة أصابع اتهام إلى فلسطينيين بالتورط في أحداث وقعت في اللاذقية أمس الجمعة، وقالت "أتى أشخاص البارحة من مخيم الرملة للاجئين الفلسطينيين إلى قلب اللاذقية وكسروا المحال التجارية وبدؤوا بمشروع الفتنة، وعندما لم يستخدم الأمن العنف ضدهم خرج من ادعى أنه من المتظاهرين وقتل رجل أمن واثنين من المتظاهرين".

من ناحية أخرى, قالت مصادر رسمية سورية لوكالة الأنباء الألمانية إن القيادة السورية تستعد لإصدار حزمة قرارات بينها تعديل وزاري يشمل عددا من الوزراء وربما رئيس الحكومة, حسب تلك المصادر.

وذكرت المصادر أن من بين الأسماء التي جرى التداول في إقالتها وزير  الإعلام محسن بلال، مشيرة إلى قرارات وشيكة تخص دور حزب البعث الحاكم في حياة السوريين.

في غضون ذلك, قال محام وحقوقي لرويترز إن السلطات السورية أطلقت سراح 260 سجينا معظمهم من الإسلاميين من سجن صيدنايا أمس الجمعة. وذكر المحامي الذي طلب عدم نشر اسمه أن السجناء أكملوا ثلثي مدة عقوبتهم على الأقل ويحق لهم الإفراج، "إلا أن السلطات نادرا ما كانت تمنحهم هذا الحق من قبل".

مظاهرات انطلقت قرب دمشق أمس الجمعة تضامنا مع درعا (رويترز)
بدون دماء
من جهته, رأى مفتي سوريا الشيخ أحمد بدر الدين حسّون في مقابلة مع الجزيرة أن سوريا "وصلت إلى ما وصلت له مصر وتونس دون إراقة دماء". وأضاف أن "سوريا تعيش فرحة ما بعدها فرحة دون صدامات وإراقة دماء، وسوريا لن تركع ولن تسفك دماء أبنائها".

كما اعتبر أن ما حدث في درعا وغيرها أمر خارجي, قائلا "سنثبت خلال ساعات أن من أسال الدماء هم من الخارج". واعتبر أن الشعب السوري كان أرقى مما تصور بعض من سماهم خطباء الفتنة, قائلا إنهم يسعون لتقسيم الوطن العربي. كما اعتبر أن ما حدث من إطلاق نار كان دفاعا عن النفس.

ضغوط دولية
وعلى صعيد الموقف الدولي, حثت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا الرئيس الأسد على الامتناع عن العنف، وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني "ندين بقوة محاولات الحكومة السورية لقمع وترويع المتظاهرين". كما اتصل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون هاتفيا بالأسد لحثه على ممارسة "أقصى درجات ضبط النفس".

وأدان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الاعتداءات على المتظاهرين سلميا وانتهاك حرمة المساجد، ودعا إلى احترام الحقوق المدنية للشعب السوري. كما دعا الاتحاد في بيان -وصل الجزيرة نت نسخة منه- الرئيس السوري إلى "رفع المظالم وإجراء إصلاحات شاملة".

بدورها, رأت المجموعة الدولية للأزمات أن "سوريا تواجه ما سيصبح سريعا لحظة حاسمة لقيادتها، حيث لا يوجد سوى خيارين أحدهما يتضمن مبادرة فورية ومحفوفة بالمخاطر بشكل حتمي ربما تقنع الشعب السوري بأن النظام مستعد للقيام بتغيير كبير, والآخر ينطوي على قمع متصاعد يتضمن كل الفرص لكي يؤدي إلى نهاية دامية ومخزية".

المصدر : الجزيرة + وكالات