انفجار سيارات تابعة لكتائب القذافي بعد قصفها من طائرات التحالف الدولي (رويترز)

في الوقت الذي تتوالى فيه الهجمات العسكرية الغربية على معاقل القوات الليبية، تدور معركة أخرى لا تقل ضراوة حول التسميات التي أطلقت على هذه العمليات، والدلالات المختلفة التي تحملها.

وبينما يحرص العقيد معمر القذافي على وصف الهجمات بكونها "حربا صليبية" جديدة في محاولة منه لاستقطاب الرأي العام العربي والإسلامي إلى صفه، أطلقت فرنسا عليها اسم (لارمتان) وهي كلمة تعني الرياح الجافة التي تهب على أفريقيا بشكل خاص.

كما أطلقت عليها بريطانيا اسم عملية (إيلامي) بينما أسمتها القوات الكندية "العملية المتحركة".

وحظي الاسم الأميركي للهجمات "فجر الأوديسا" بالقسط الأكبر من الترويج الإعلامي، وهو ما يعني وفق محللين أهمية دور الولايات المتحدة بالعمليات من جهة، وإيجابية الدلالات التي تحملها التسمية من جهة أخرى.

ملحمة يوليسيس

طائرات ميراج الفرنسية تستعد للمشاركة في فجر الأوديسا (الفرنسية)

ويرتبط الاسم بأسطورة الأوديسا التي تنسب إلى هوميروس، وهي ملحمة شعرية مكملة لـ (الإلياذة) يعتقد أنها كتبت مع نهاية القرن الثامن قبل الميلاد.

وتحكي ملحمة الأوديسا قصة عودة أحد أبطال حصار طروادة (يوليسيس) إلى بلاده (إيثاكا) بعد الانتهاء من حرب طروادة، ونجاحه في تجاوز الصعاب الجمة التي صادفها في طريقه لمدة عشر سنوات كاملة بسبب غضب إله البحر (بوصيدون) عليه.

وخلال تلك الفترة، أفلحت زوجته (بينولب) في الإفلات من محاولات النبلاء في (إيثاكا) إجبارها على الزواج من أحدهم، وتحكي الملحمة أنها كانت تعدهم باتخاذ قرار الزواج من أحدهم بمجرد الانتهاء من حياكة ثوب الزفاف، غير أنها كانت تنقض في الليل ما تغزله في النهار.

والغريب أن مرحلة السفر الطويلة المليئة بالمغامرات لـ (يوليسيس) صادفت أن مرت عبر بلاد (أكلة البردي لوتوفاجي) التي يعتقد الدارسون أنها هي ليبيا الحالية.

وخلال عودته إلى منزله، تحكي الأسطورة أن الإلهة (أثينا) وهي ربة الحكمة والقوة، حذرت (يوليسيس) من وجود ملاحقين لزوجته بالقرب من منزله، فعاد متنكرا، وأقام حفل وليمة لهم انتهت بقتلهم جميعا.

تحليلات متضاربة

مدونة فرنسية: اختيار واشنطن (فجر الأوديسا) اسما لعملياتها في ليبيا مجرد محاولة لإضفاء طابع إيجابي على الحرب التي تبقى في نهاية المطاف حربا بكل ما تعنيه من دمار

وتضاربت التحليلات بشأن دلالات تسمية البنتاغون الحرب الحالية على ليبيا بـ "فجر الأدويسا" فمن قائل إنها تعبير عن رحلة مليئة بالمغامرات تخوضها قوات الدول المشاركة في الهجمات على الأرض الليبية، إلى آخر موضح بأن التسمية أغفلت المشاق التي عاشها (يوليسيس) مدة طويلة خلال مرحلة العودة، مما ينذر بتورط تلك القوات في ليبيا مدة أطول من التي تتصورها.

غير أن مدونة الأفق الجامعي الفرنسية نشر مقالا أمس حملت توقيع كاتب اسمه (أونوسطوس) أكد فيه أن اختيار الولايات المتحدة (فجر الأوديسا) اسما لعملياتها في ليبيا، هو مجرد محاولة لإضفاء طابع إيجابي على الحرب، غير أنه يؤكد أنها تبقى في نهاية المطاف حربا بكل ما تعنيه من دمار وقتل.

ويضيف المقال بأن أجواء المعارك كانت تفترض من باب أولى أن تكون التسمية مرتبطة بالإلياذة كونها تحكي حرب طروادة وقصة الانتصار عليها، لكن البنتاغون فضلت (فجر الأوديسيا) لإضفاء طابع إيجابي حالم على الهجمات وهذا أمر مهم للجنود والرأي العام.

وعن دلالات الفجر في (الأوديسا) يؤكد الدارسون أن له معاني خاصة في تلك الملحمة، حيث يرمز إلى مرحلة النضج والحكمة وإنجاز المهام، والأهم من ذلك كله، انتهاء الصعاب والمشاق التي عاشها (يوليسيس) قبل العودة إلى بلاده وأسرته بعد غياب دام عشرين عاما، نصفها الأول في محاصرة طروادة، والنصف الثاني في محاولة الرجوع.

تمرير قيم؟
غير أن آخرين ربطوا، على مواقع إنترنت، بين التسمية وبين محاولات لتمرير قيم فكرية وأيديولوجية عبر هجمات باعتبار أنه مهما كانت مبرراتها فهي تبقى حربا، الأمر الذي ينسجم مع قاله القذافي من أنها حرب صليبية وفق هؤلاء.

غير أن رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي أكد من جانبه على فضائية الجزيرة أمس أن الهجمات على قوات القذافي "ليست حربا صليبية" متسائلا عن علاقة العقيد الليبي بالإسلام قائلا "هل الإسلام أن يقتل الناس الأبرياء المكلف برعايتهم، ويهددهم بأنه وراءهم في كل مكان؟".

وأوضح الشيخ القرضاوي أن التدخل الدولي "تقتضيه الضرورة" وحماية الشعب، وذلك لغياب آلية داخل الجامعة العربية تعالج مثل هذه الأحداث.

المصدر : الجزيرة + وكالات