كوسا "مبعوث الموت" للقذافي (الجزيرة)

منذ ثلاثة عقود وموسى كوسا (63 عاما) يتقلب بين شؤون الأمن والدبلوماسية في ليبيا، ينتقل من الأولى إلى الثانية ثم لا يلبث أن يعود إلى الأولى من باب أوسع وأرحب، في ظل واقع تختلط فيه الأدوار، وتشتبك فيه القنوات الدبلوماسية بالاستخبارية خدمة لـ"الثورة"، ودفاعا عن الزعيم والقائد.

وكوسا حاصل على شهادة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة ميتشيغان الأميكرية عام 1978.

"مبعوث الموت" كما يلقبه خصومه، أو كما أطلقت عليه بعض الصحف البريطانية في ثمانينيات القرن الماضي بدأ مساره المهني من بوابة الأمن مسؤولا عن أمن السفارات الليبية في شمال أوروبا (1978)، ولم يلبث حتى اختير سفيرا لبلاده في بريطانيا.

"
"مبعوث الموت" كما يلقبه خصومه، أو كما أطلقت عليه بعض الصحف البريطانية في ثمانينيات القرن الماضي بدأ مساره المهني من بوابة الأمن مسؤولا عن أمن السفارات الليبية في شمال أوروبا

"

لكن القفزة الكبيرة التي حققها كوسا لم تدم طويلا حيث قام البريطانيون بطرده في العام ذاته بسبب ما وصف حينها بـ"الحماقة" التي ارتكبها، وبـ"خشونة التصريحات التي أدلى بها" حين اعترف بالإشراف على اغتيال معارضين ليبيين في بريطانيا هما الإعلامي محمد مصطفى رمضان، والمحامي محمود عبد السلام نافع في لندن عام 1980.

لم يعترف كوسا بـ"الجريمة" فقط بل هدد وتوعد بأن ليبيا ستقدم مساعدات مهمة للجيش الجمهوري الأيرلندي إذا رفضت لندن تسليم معارضين للقذافي.

 زاد طرد كوسا من قبل البريطانيين من مكانته لدى الزعيم الليبي الذي كان حينها في أوج مقارعة ما يصفه بالإمبريالية الدولية، فواصل شغل المناصب الأمنية، وتنفيذ المهمات الحساسة والمعقدة أو غير النظيفة بالنسبة لخصوم العقيد، خصوصا منها ما يتعلق باغتيال وتصفية المعارضين خارج الحدود.

 وفي فترة ما بين 1992 و1994 عين كوسا نائبا لوزير الخارجية، وهي أسمى وظيفة دبلوماسية ينالها رجل المخابرات الصاعد، لكن تلك الوظيفة لم تكن كما ظهر للكثيرين خصوصا من العارفين لأدواره ومهامه سوى عنوان وواجهة لتسهيل حركة الرجل صاحب النفوذ والاهتمامات الأمنية الخارجية بالدرجة الأولى.

وتزامن تعيينه في هذه الوظيفة مع فرض القوى الغربية لحصار اقتصادي مشدد على نظام الزعيم الليبي معمر القذافي بسبب ما وصف في حينه بدعم الإرهاب الدولي.

ومكافأة للرجل على الأدوار الهامة والحساسة، وتقديرا من العقيد للمهارة التي أبداها في المجال الاستخباري تم تعيين كوسا عام 1994 على رأس جهاز الاستخبارات الليبية المعروف باسم جهاز الأمن الخارجي.

 اتهامات غربية
يتهم كوسا خصوصا من لدن الدول الغربية وبعض الدول العربية بالتخطيط والإشراف على عدد من أبرز العمليات المسلحة التي نفذها النظام الليبي في العقود الماضية من قبيل إسقاط وتفجير طائرة شركة بان أميركان في لوكربي عام 1988، والطائرة الفرنسية في النيجر 1989، وتفجير ملهى ليلي في برلين بألمانيا، ومحاولات اغتيال بعض الرموز والزعامات العربية.

"
يتهم كوسا خصوصا من لدن الدول الغربية وبعض الدول العربية بالتخطيط والإشراف على عدد من أبرز العمليات المسلحة التي نفذها النظام الليبي في العقود الماضية من قبيل إسقاط وتفجير طائرة شركة بان أميركان في لوكربي عام 1988، والطائرة الفرنسية في النيجر عام 1989، وتفجير ملهى ليلي في برلين بألمانيا، ومحاولات اغتيال بعض الرموز والزعامات العربية
"

لكنه في المقابل أشرف خلال بقائه الطويل (15 عاما) على رأس المخابرات الليبية على تجاوز وتسوية أغلب هذه "الجرائم"، والاعتذار والتعويض عنها للمتضررين منها غربيا بشكل خاص.

 وقاد كوسا خلال تلك الفترة رفقة سيف الإسلام نجل القذافي مجمل التحولات الكبيرة التي شهدتها مسيرة القذافي المثيرة للجدل في العقد الماضي.

 وهكذا قاد مفاوضات التعويض لضحايا الطائرات والتفجيرات التي خطط لها وأشرف هو نفسه عليها، وفاوض الأميركيين بشكل خاص على تفكيك البرنامج النووي لبلاده، وهي المفاوضات التي توجت عام 2003 بتفكيك البرنامج وتسليم محتوياته ووثائقه إلى الأميركيين مقابل رفع اسم ليبيا من لائحة الإرهاب الدولي، ورفع العقوبات عنها.

 وبعد أن وضعت حرب القذافي ضد القوى الغربية أوزارها وجنح للسلم والتعويضات وفتح باب التقارب مع "الظلم والاستكبار العالمي" تغير الدور الذي على كوسا أن يلعبه في خدمة الثورة والزعيم، فعين عام 2009 وزيرا للخارجية خلفا لعبد الرحيم شلقم الذي عين ممثلا لليبيا في الأمم المتحدة والذي تحول اليوم إلى أحد أبرز خصوم القذافي في المحافل الدولية.

وتتضمن سيرته دوره كمفاوض أساسي في قضية الممرضات البلغاريات التي أ>ت إلى الإفراج عنهن في يوليو/تموز 2007، والتخلي عن عن البرنامج النووي الليبي عام 2003.

ورغم أن كوسا تحول أو هكذا -يفترض- إلى أضواء الدبلوماسية الكاشفة، فإنه مع ذلك لم يغادر ظلال المخابرات المعتمة، فاختار له الزعيم (في يوليو/ تموز 2010) أن يتولى أيضا مهام مستشار الأمن القومي خلفا لمعتصم القذافي.

وبعد أن ضاقت الدائرة بكوسا وزعيمه القذافي، واشتد الخناق عليهما بفعل ثورة السابع عشر من فبراير، آثر كوسا النجاة بنفسه من نظام خدمه عقودا وتشرف سفينته على الغرق، فلجأ إلى بريطانيا أواخر شهر مارس 2011 معلنا رفضه تمثيل العقيد الليبي على المستوى الدولي.

المصدر : الجزيرة