لا تزال الملابسات الدقيقة التي أحاطت بمقتل العقيد الليبي المخلوع معمر القذافي غامضة، إذ يجري تداول روايات متضاربة عن مصرعه، ولكن تصوير ما قد يكون الساعات الأخيرة في حياته ربما يقدم بعض المؤشرات على ما حدث، حيث ظهر القذافي ملطخا بالدماء ويترنح، ومقاتلون غاضبون يدفعونه قبل مقتله، في حين أعلن رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الوطني الانتقالي الليبي مستندا إلى أدلة للطب الشرعي أن القذافي مات بسبب إصابته برصاصة في الرأس.

وتوضح لقطات فيديو صورها أحد المارة وسط حشد وبُثت لاحقا على شاشات التلفزة في أنحاء العالم، أن القذافي كان لا يزال حيا عند القبض عليه قرب سرت، وتظهره الصور وهو يترنح جريحا ويلوح بيده أثناء جره من شاحنة بواسطة حشد من المقاتلين الغاضبين، الذين كانوا يوجهون إليه الضربات ويجذبونه من شعره.

ثم ظهر القذافي في الشريط المصور وهو يسقط على الأرض ويحيط به الحشد، ويسمع في الشريط صراخ البعض مطالبين بإبقائه حيا، ثم يسمع صوت أعيرة نارية وتبتعد الكاميرا، ليظهر تصوير آخر جثة القذافي -على ما يبدو- توضع في سيارة إسعاف في سرت.

ونقلت رويترز عن مصدر كبير في المجلس الوطني الانتقالي أن القذافي اعتقل حيا ثم ضربوه وقتلوه أثناء نقله، مشيرا إلى أن العقيد ربما كان يقاوم.

وروى مسؤول آخر في المجلس الانتقالي -طلب ألا ينشر اسمه- لرويتز رواية أخرى لوفاة القذافي قائلا "إنهم (مقاتلي المجلس الانتقالي) ضربوه بشدة ثم قتلوه، هذه حرب".

أما رواية المجلس الانتقالي فتشير إلى أن القذافي قتل حين اندلعت معركة بالأسلحة النارية بعد القبض عليه بين مؤيديه ومقاتلي المجلس، -وهو ما يتعارض بشكل واضح مع الأحداث التي صورها الفيديو- حيث توفي القذافي بسبب رصاصة أحدثت جرحا في رأسه، لكن المجلس نفى صدور أوامر بقتل القذافي.

وقد أعلن رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الانتقالي الليبي محمود جبريل -مستندا إلى أدلة للطب الشرعي- أن العقيد القذافي مات بسبب إصابته برصاصة في الرأس أثناء تبادل لإطلاق النار بين الثوار ومؤيدين له بعد اعتقاله.

وقال جبريل -في مؤتمر صحفي عقده بطرابلس مساء الخميس، وهو يقرأ من بيان- إن القذافي أخذ من أنبوب للصرف الصحي ولم يظهر أي مقاومة، وحين بدأ نقله أصيب برصاصة في ذراعه اليمني، وحين وضع في شاحنة لم تكن به أي جروح أخرى.

وأضاف أنه حين كانت السيارة تتحرك وقعت في تبادل نيران بين الثوار وقوات القذافي، أصيب خلاله برصاصة في الرأس، وأوضح أن طبيب التشريح لم يمكنه تحديد هل جاءت الرصاصة من الثوار أم من قوات القذافي.

وأوضح أن القذافي كان حيا حين أخذ من سرت إلى مصراتة، لكنه مات قبل دقائق قليلة من وصوله للمستشفى.

 صورة لمقطع فيديو بثته سي أن أن تظهر القذافي مضرجا بالدماء قبل مقتله (الفرنسية)
اللحظات الأخيرة
وكانت الجزيرة عرضت صورا أظهرت اللحظات الأخيرة للعقيد الليبي قبل مقتله في مدينة سرت الخميس.

وظهر القذافي في الصور عقب إلقاء القبض عليه من قبل الثوار وهو مصاب، ولكنه كان على قيد الحياة، وهو ما يؤكد المعلومات التي تحدثت عن مقتل العقيد عقب اعتقاله من دون تفاصيل عن ظروف مقتله.

وأظهرت الصور -التي بثتها الجزيرة نقلا عن التلفزيون الليبي- القذافي وهو يتعرض للدفع والضرب بأيدي مجموعة من الثوار، وبدا أنه يقاومهم في مرحلة ما، وكانت الدماء تغطي وجهه وجرى جذبه إلى سيارة بينما ضرب على رأسه بمسدس.

وكان الناطق باسم المجلس الوطني الانتقالي عبد الحفيظ غوقة قد أكد أن القذافي (69 عاما) أسره الثوار بعد أن جرح في القتال بسرت قبل أن يفارق الحياة، من دون أن يقدم تفاصيل عن ظروف مقتله.

وروى كل من محمد العوا وإبراهيم محمد المحجوب -وهما من أفراد الكتيبة التي اعتقلت القذافي- ظروف العملية، وأكدوا للجزيرة أنهم توصلوا إلى مكانه عقب إطلاق نار من قبل مرافقين للعقيد، وبعد الاشتباك صعد القذافي الذي كان مختبئا في حفرة مجاورة حاملا مسدسا، وهو يتساءل "شنو فيه؟" (ماذا هناك؟).

وأوضح محجوب أن سيارة إسعاف نقلت العقيد إلى مصراتة، مشيرا إلى أنه شاهد العقيد وهو مغمى عليه قبل أن يفارق الحياة.

تفاصيل أخرى
من جانبه أكد القائد الميداني للمنطقة الجنوبية في مدينة سرت محمد ليث أن القذافي كان مسلحا وقتل أثناء محاولته الفرار.

وقال ليث لوكالة الصحافة الفرنسية إن القذافي "كان داخل سيارة جيب كرايزلر أطلق عليها الثوار النار فخرج منها وحاول الفرار، وهو هارب دخل في حفرة محاولا الاختباء. فأطلق عليه الثوار النار، فخرج وهو يحمل في يده كلاشينكوف وفي اليد الأخرى مسدسا، وتلفت يمينا ويسارا وهو يتساءل عما يحصل، وأطلقوا عليه النار فأصيب في الكتف وفي الرجل وقتل على إثر ذلك".

وأضاف أن القذافي "كان جسمه هزيلا جدا، وواضح أنه كان مريضا فلم يتحمل الإصابة". وأكد أنه كان يرتدي بذلة بنية اللون وعلى رأسه عمامة.

ونفى ليث أن يكون القذافي قتل في قصف لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) على سرت، مؤكدا أن "ثوار مصراتة قتلوه".

من جانبها نقلت رويترز عن أحمد السحاتي -وهو مقاتل من الثوار عمره 27 عاما كان بجوار أنبوبي صرف أسفل طريق سريع- أن القذافي "وصفنا بأننا جرذان لكن انظر أين وجدناه"، مشيرا إلى أنبوب الصرف.

صورة لمقطع فيديو بثته سي أن أن تظهر القذافي مضرجا بالدماء ويحرك يده (الفرنسية)
قصف وفرار
ويروي قصة الساعات الأخيرة في حياة الزعيم المخلوع مقاتلو القوات الحكومية ولقطات تسجيل مصورة ومشاهد دامية، حيث تقول الروايات إنه قبيل صلاة فجر الخميس خرج القذافي -الذي كان يحيط به بضع عشرات من حرسه الخاص الموالين له، ويرافقه قائد جيشه الذي لم يعد له وجود أبو بكر يونس- من حصار سرت المستمر منذ شهرين، وشقت المجموعة طريقها في اتجاه الغرب لكنهم لم يبتعدوا كثيرا.

وفي هذا السياق قالت فرنسا إن طائراتها –المشاركة في مهمة حلف الناتو- قصفت موكب مركبات عسكرية كان يقل القذافي قرب سرت في حوالي الساعة 8:30 صباحا بالتوقيت المحلي (6:30 بتوقيت غرينتش) يوم الخميس، ولكنها قالت إنها غير متأكدة هل قتل القذافي في الهجمات أم لا.

وقد توقفت 15 شاحنة صغيرة مركبة عليها مدافع آلية محترقة ومحطمة يتصاعد منها الدخان بجوار محطة كهرباء فرعية، تبعد نحو 20 مترا عن الطريق الرئيسي الذي يقع على بعد ميلين إلى الغرب من سرت.

وكان من الواضح على السيارات المحترقة أنها ضربت بقوة تفوق كثيرا أي شيء في حوزة الجيش من الأسلحة التي قام الثوار بجمعها أثناء الثورة التي استمرت ثمانية أشهر للإطاحة بالقذافي.

لكن مع ذلك لم تكن هناك حفرة نجمت عن انفجار قنبلة تشير إلى أن الضربة ربما نفذتها طائرة هليكوبتر حربية أو أن طائرة مقاتلة أطلقت مدافعها على القافلة.

وداخل الشاحنات كانت أشلاء السائقين التي تفحمت والركاب الذين قتلوا على الفور في الضربة ما زالت على المقاعد، وبعض الجثث الأخرى مددت وقد بترت أجزاء منها وأصبحت مقلوبة على العشب، حيث وجد بالإجمال في المنطقة نحو 50 جثة.

لكن وفق روايات الثوار فإن القذافي نفسه وحفنة من رجاله نجوا من الموت وفروا -على ما يبدو- وسط مجموعة أشجار نحو الطريق الرئيسي، واختبؤوا في أنبوبي صرف، لكن مجموعة من الثوار كانت تسير على دربهم في نفس الاتجاه.

ونقلت وكالة رويترز عن أحد الثوار يدعى سالم بكير قوله إنه بينما كان يحتفي به بعض رفاقه بالقرب من الطريق "أطلقنا النار عليهم من مدافع مضادة للطائرات لكنها لم تكن مجدية"، وأضاف "ثم توجهنا إليهم سيرا على الأقدام".

صورة لمقطع فيديو بثته سي أن أن تظهر القذافي مضرجا بالدماء وينظر مذهولا (الفرنسية)
ويضيف بكير "عندها جاء أحد رجال القذافي وهو يلوح ببندقيته في الهواء مستسلما، لكن بمجرد أن رأى وجهي بدأ يطلق النار باتجاهي، قبل أن يصرخ "سيدي هنا سيدي هنا، معمر القذافي هنا وهو جريح".

بعدها توجه الثوار إلى المكان وأخرجوا القذافي وهو يقول "ما الخطب، ما الخطب ما الذي يحدث"، ثم أخذوه ووضعوه في السيارة.

وقال بكير إن القذافي لحظة القبض عليه كان جريحا فعلا بأعيرة نارية في الساق والظهر، وقد أكد ثوار ذكروا أنهم شاركوا في الإمساك بالقذافي رواية بكير للأحداث، لكن أحدهم قال إن الزعيم المخلوع ضرب بالرصاص في صدره وجرح في اللحظة الأخيرة على يد أحد رجاله.

أما فيما يتعلق بقائد الجيش أبو بكر يونس جبر فقد أكد بكير القبض عليه حيا، بينما ذكر مسؤولون من المجلس الوطني الانتقالي في وقت لاحق أنه مات، وكانت هناك أربع جثث أخرى ترقد عند الطرف الآخر للأنبوبين جميعها لرجال سود.

المصدر : الجزيرة + وكالات