محمد الغنوشي (وسط) أثناء الإعلان عن توليه رئاسة تونس مؤقتا (الفرنسية)

طعن قانونيون ومعارضون تونسيون الجمعة في شرعية تولي الوزير الأول (رئيس الوزراء) محمد الغنوشي الرئاسة المؤقتة، متهمين إياه بخرق الدستور, ومحاولة الالتفاف على مكاسب الانتفاضة الشعبية التي أجبرت الرئيس زين العابدين بن علي على الفرار, بينما لوحت أطراف نقابية بعصيان مدني.
 
وقال خبير القانون الدستوري الصادق بلعيد إن الغنوشي -الذي أعلن توليه الرئاسة المؤقتة بناءً على ما ادعى أنه تفويض من بن علي- اقترف "مغالطة كبيرة ترقى إلى الخيانة", وإن توليه الرئاسة المؤقتة جاء "خدمة لمصالح بن علي".
 
ورأى بلعيد في تصريحات للجزيرة أن ما حدث كان "فضيحة وتلاعبا بالدستور", وأن محمد الغنوشي يسعى إلى أن يكون "بن علي جديدا", مشيرا في هذا السياق إلى أنه لا يمكن أن يكون تلقى تفويضا من رئيس أطاحت به ثورة شعبية.
 
ومن جهته اعتبر الخبير الدستوري عياض بن عاشور أن ما حدث مساء الجمعة كان "حلا ملفقا", لكنه اعتبر أن المصلحة الوطنية تقتضي قبول حتى أنصاف الحلول، في إشارة إلى سلطة الغنوشي المؤقتة.
 
وأوضح -في اتصال مع الجزيرة- أنه كان من الأنسب الاعتماد على الفصل 57 من الدستور، الذي يخول رئيس مجلس النواب تولي الرئاسة مؤقتا لمدة تتراوح ما بين 45 و60 يوما, بدلا من الفصل 56.
 
ولاحظ أنه لا يمكن الانتقال من الفصل 56 إلى الفصل 57 إلا إذا تم افتراض أن بن علي عجز نهائيا عن الحكم, أو أعلن بنفسه استقالته.
 
محمد الغنوشي (يسار) قال إن بن علي "فوضه"
لتولي الرئاسة مؤقتا (الأوروبية)
الشغور الرئاسي
ويحكم قضية الشغور في السلطة فصلان في الدستور التونسي.
 
فالنص الذي اعتمد عليه الغنوشي وهو الفصل 56 يقول بالحرف: "لرئيس الجمهورية إذا تعذر عليه القيام بمهامه بصفة وقتية أن يفوض بأمر سلطاته إلى الوزير الأول ما عدا حق حل مجلس النواب".
 
"وأثناء مدة هذا التعذر الوقتي الحاصل لرئيس الجمهورية تبقى الحكومة قائمة إلى أن يزول هذا التعذر، ولو تعرضت إلى لائحة لوم. ويعلم رئيس الجمهورية رئيس مجلس النواب بتفويضه المؤقت لسلطاته".






 
لكن الوضع الحالي -الذي يبدو فيه الجيش مسيطرا على السلطة في غياب بن علي، مما يعني أن هرم السلطة قد تغير- يبدو من وجهة نظر دستورية أخرى محكوما بالفصل 57، الذي يقول إنه "عند شغور منصب رئيس الجمهورية لوفاة أو لاستقالة أو لعجز تام، يتولى فورا رئيس مجلس النواب مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة لأجل أدناه 45 يوما وأقصاه ستون يوما".
 
ويؤدي القائم بمهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة اليمين الدستورية أمام مجلس النواب، وعند الاقتضاء أمام مكتب المجلس. ولا يجوز للقائم بمهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة الترشح لرئاسة الجمهورية، ولو في صورة تقديم استقالته.
 
ويمارس القائم بمهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة المهام الرئاسية، على أنه لا يحق له أن يلجأ إلى الاستفتاء, أو أن ينهي مهام الحكومة, أو أن يحل مجلس النواب, أو أن يتخذ التدابير الاستثنائية المنصوص عليها بالفصل 46.
 
ولا يجوز خلال المدة الرئاسية الوقتية تقديم لائحة لوم ضد الحكومة. وخلال المدة الرئاسية الوقتية يتم انتخاب رئيس جمهورية جديد لمدة خمس سنوات.
ولرئيس الجمهورية الجديد أن يحل مجلس النواب، ويدعو لانتخابات تشريعية سابقة لأوانها، وفقا للفقرة الثانية من الفصل 63.
 
راشد الغنوشي: ثمن الثورة ينبغي أن يكون التغيير وليس الترقيع (الجزيرة) 
محاولة التفاف
وبينما طعن خبراء دستوريون في شرعية إعلان محمد الغنوشي توليه مؤقتا الرئاسة, رأى معارضون ونقابيون تونسيون أنه يحاول الالتفاف على ما حققته الثورة الشعبية، حيث إن بن علي يمكن أن يعود إلى الحكم من خلال بقاء قسم من نظامه ورموزه في السلطة.
 
وقال رئيس حركة النهضة (الإسلامية) الشيخ راشد الغنوشي إن الرئيس المؤقت ينفذ محاولة جديدة من جانب نظام بن علي المنهار للالتفاف على مطالب الشعب وتضحياته، بعدما فشل مرارا في قمع الانتفاضة.
 
وشدد الغنوشي -في تصريحات للجزيرة- على أن ثمن الثورة ينبغي أن يكون التغيير وليس الترقيع.
 
وقال إنه يتعين إسقاط حزب التجمع الدستوري الحاكم نهائيا, وإنه لا يمكن استبدال رئيس غير شرعي بآخر غير شرعي، في إشارة إلى محمد الغنوشي.
 
وتابع رئيس حركة النهضة أن الشعب التونسي يريد نظاما ورئيسا جديدين, ووجوها جديدة, وشدد على أن الحل يكمن في حكومة إنقاذ وطني تضم كل الألوان والأطياف.
 
ودعا راشد الغنوشي إلى تشكيل لجان شعبية لحفظ الأمن والنظام حتى تسقط ما سماها الفئة المجرمة.
 
ومن جهته, لوح رئيس المكتب المحلي للاتحاد العام التونسي للشغل بمدينة الرقاب الواقعة في ولاية سيدي بوزيد يوسف الصالحي باللجوء إلى العصيان المدني بدءا من السبت.
 
وقال الصالحي للجزيرة إن تولي الغنوشي الرئاسة المؤقتة اغتصاب جديد للسلطة مثلما فعل بن علي في 1987, ورأى أن ما حدث الجمعة مسرحية نفذها من وصفهم بأذيال بن علي, وأن الشعب قادر على إعادة القطار إلى سكته.
 
وفي تصريحات للجزيرة, دعا الناطق باسم الحزب الديمقراطي التقدمي المعارض إياد الدهماني إلى حكومة إنقاذ وطني تمهد لانتخابات تحت إشراف دولي.
 
وقال الدهماني للجزيرة إن حزبه يرفض تولي الغنوشي ومسؤولين من أمثال رئيس مجلس المستشارين عبد الله القلال أي مسؤولية.
 
أما الكاتب العام لنقابة الأطباء في مدينة القصرين (وسط/غرب) أحمد القاهري فوصف من جهته تولي الغنوشي الرئاسة المؤقتة بالمحاولة الانقلابية.
 
وعلى الرغم من حالة الطوارئ التي تشمل حظرا للتجوال, فقد خرجت الليلة مظاهرات في محافظات تونسية من بينها القصرين وقابس، تنديدا بتولية الغنوشي نفسه رئيسا مؤقتا، وطالب المشاركون في المسيرات باحترام الدستور.

المصدر : الجزيرة