فيما يلي نص فتوى مركز الألباني:
 
كلمةٌ منهجيةٌ هادية في بعض الأحداث الجارية.. الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِ المرسَلين، وعلى آله وأصحابه -أجمعين-، ولا عدوان إلا على الظالمين.

أمَّا بعد:
فحِرصاً منا على نقاءِ دين الإسلام -أصلاً-، وصَفاءِ سُمعة أهله -أساساً-، واستقرار أَمْنِ بلاده -ابتداءً- نقولُ:

إنَّ ممِّا يُحْزِنُ النَّفوسَ الأَليمةَ -كثيراً-، ويُدْمي الأفئدةَ الحزينةَ -شديداً-: هذا الذي يَجْري في أنحاءٍ متعدّدة مِن العالم -بعامة- والعالم الإسلامي -بخاصّة- ممِّا يُنسَبُ إلى الإسلامِ؛ مِن قتلٍ، ودمارٍ، وتفجيرٍ.
 
فالإسلام بَراءٌ مِن هذا -كُلِّه-، ولو جرى ووقع -وللأسف- باسم الإسلام!!! وأهلُ الإسلام -الأصفياء- براءٌ مِن هذا كُلِّه.
 
ولئن وقع هذا -اليومَ- في العراقِ، والباكستانِ، وأفغانستان... -وغيرِها-؛ فقد وقع -بالأمس- في بلادنا الأردنِ، وكذا السعودية، ومصر... -وغيرِها-.
فالجُرْمُ واحدٌ، والداءُ واحدٌ، والحكمُ واحدٌ.

وإننَّا لنعتقدُ -بِجَزْمٍ وحَزْمٍ- أنَّ أعمالَ التَّقتيلِ والتفجيرِ التي تُصِيبُ أهلَ الإسلام، أو غيرَهم مِن أهلِ الأَمان، أو الاستئمان -في كُلِّ مكان-: أَعمالٌ مُحرَّمةٌ؛ لما فيها من هتكٍ لحرُمات الإسلامِ المعلومةِ مِن الدِّين بالضرورة -مِن قتلِ للأنفس المعصومةِ الدَّم، ونقضٍ للأمن والاستقرار، وحياة النَّاس الآمنينَ، وتضييعٍ للمصالح العامةِ للدولِ، فضلاً عن عدم التفريق بين الرجال والنِّساء، والأطفالِ والشيوخ، والمدنيِّين والمحاربين-.

وإنَّنا لَنَجْزِم -بيقين- بحرمة الاعتداء على الأنفسِ البريئة -سواءٌ في الدَّم، أو المالِ، أو العِرْض-؛ لما في ذلك من تهديد لحياة النَّاسِ الآمنينَ المطمئنين -في مساكنهم ومعايشهم-، والإضرار بمصالح الأفرادِ والشعوب -عامة-.



وإنّنا على يقين أنَّ مبنى كثيرٍ مِن هذا القتلِ الأعمى-والتَّدمير والتَّفجير- قائمٌ على التَّسرع في التكفير للمسلمين -عامتهم وخاصتهم، حُكَّامِهم ومحكوميهم-!!
وهذا حُكمٌ جِدُّ باطلٍ؛ لِمَا يترتَّبُ عليه مِن أمور خطيرةٍ، مِن استحلال الدَّم، ومنع التوارثِ، وفسخِ النكاح -وإيجادِ أيتامٍ وأراملَ- كما تقدم-.
فلا يجوزُ التَّساهُل فيه -أبداً-.

ومِن خطورة التكفيرِ -أيضاً-: أنَّه يرجعُ إلى قائله بالكفرِ؛ إذا حُكم به على شخصٍ -ما- ليس كافراً؛ كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أيُّما امرئٍ قالَ لأخيه: يا كافرُ؛ فقد باء بها أحدُهما -إنْ كان كما قال-، وإلا رجعتْ إليه» -متفق عليه-.

وإنَّنا نرى -أيضاً- حُرمةَ أعمالِ التقتيلِ والتَّخريبِ -على اختلافِ صورها وأنواعها-؛ كمِثْلِ التفجيرِ لأماكنِ العبادةِ، والمستشفيات، والمدارس، وإشعالِ الحرائقِ في الممتلكات العامةِ، ونسف المساكنِ، أو الجسورِ والأنفاق، وتفجيرِ المصالح العامة والخاصَّة؛ كمحطات الكهرباء، أو الوقودِ، وأنابيب البترول -ونحو ذلك-، وهي -جميعاً- جرائمُ شنيعةٌ يستحقُّ أصحابُها العقوبةَ الرادعةَ لهم.

وكذلك نُنَبِّهُ على مُنابذَةِ الوسائل المستحدثة في التغيير -من المظاهراتِ الرجالية، أو النسائية -فضلاً عن المختلطة!- والتوكيدِ على أنَّها ليست حلاً للمشكلات، أو سبيلاً شرعيًّا لإنكار المنكرات، بل نرى أنَّها مِن البدع المحدثة، والأفكار المستوردةِ مِن الغربِ، وأنَّها -كذلك- مِن أسباب الفتن والشُّرورِ، وأبواب الخروج؛ التي تؤدي إلى انفلات الأمور، وإشاعة الفوضى والأضرار، وإضعاف سلطان ولي الأمر، والتعدِّي على أَموال الناس، والتَّعرُّض لمزيدٍ مِن البلاءِ، بما في ذلك ما يقعُ مِن دَسِّ المندسِّين بين الصفوف!

وأيضاً؛ فإنَّنا نرى بشاعةَ وجُرمَ وحُرمةَ ما يفعلُه بعضُ النَّاس -هذه الأيّامَ- مِن حَمْلِ المتفجراتِ وشدِّها على الأنفس، ثم تفجيرها -بالنفسِ- في الأسواق العامة، أو المُجتمعاتِ، أو الحافلات -وغيرها-، وبخاصةٍ في بلاد المسلمين؛ لأنَّ هذا -أولاً- مِن قتل النَّفس والآخرين قتلاً عشوائياً ظالماً غاشماً لا يفرِّق بين مسلم وغيره، وظالم ومظلوم، وذكر وأنثى، وكبير وصغير، وإنسان وحيوان؛ ولأنَّ هذه الأفعالَ -ثانياً- لا مصلحةَ للإسلام والمسلمين فيها -ألبتَّةَ-، فضلاً عمَّا يزدادُ -بسببِها- العدوُّ مِن الشدةِ على المسلمين، والتنكيلِ بهم، والإذايةِ لهم، والتضييق عليهم.

والواجبُ علينا -والحالةُ هذه- أن نُغيِّر ما بأنفسنا -بالحقِّ-، وأن نرجِعَ إلى الله -عزَّ وجل-، وأن نُقيم فرائضَه، ليغيِّر اللهُ ما بنا، فالسعيدُ مَن انشغل بالذي أراده اللهُ منه -من واجباتٍ وفرائضَ-، والمخذولُ مَن ترك ذلك وعَمِلَ على زعزعة أمن البلاد والعباد، وأساء في أفعاله وتقريراته.

وهذا الصنفُ مِن النَّاس(!) لا يجدُ له مرجعيةً معتبرةً من العلماء؛ فلا تراه مُتَعلِّقاً إلا بسراب، أو يكونُ سمسارَ أحزاب، ينفخُ في رماد؛ يدمِّر البلاد، ويُسيء إلى العباد. فإلى الله المشتكى من صنيعهم، وجرأتهم، وفجورهم!

وهؤلاء -الذين يقومون بهذه الأعمال التخريبيَّة- أصحابُ فكرٍ منحرف، وعندهم غلوٌّ في التفكير، وجرأة في التكفير.



فالواجبُ على العلماء الربانيين -لزوماً-: التحذيرُ منهم، وإدانةُ أعمالهم، وبيانُ المؤاخذات عليهم، وتحصينُ الطلبة والخطباء والدعاة -وعامّة المسلمين- من أفعالهم الشنيعة، وأفكارهم الخَرِبة، والحيلولة دون وصولها إليهم.
بل نُنادي بضرورة التمايز عنهم، ومُناوأتِهم، ومُنابَذَتِهم...

ومِن أهم الأسباب المُعِينة على ذلك:
1- التأصيلُ الشرعي العلمي للدعاة، بحيث لا تنطلي عليهم شُبَهُ هؤلاء الدعاة - الذين هم -في حقيقتهم- دُعاةٌ على أبواب جهنم؛ مَن أجابهم: قذفوه فيها-، ولا سيَّما على تفنيد شبهة التكفير بالباطلِ، والوقوف على أقوال أئمة أهل السنة -القدماء والمعاصرين- حول قضيّة الحكم بغير ما أنزل الله، وأنواعه، وأحكامه، والتفقُّه في أحكام الجهاد الشرعيّ، وضوابطه الأساسيّة.

2- تسميتُهم باسمهم الواضح الصريح: (الخوارج) -أو: التكفيريِّين-؛ إذ أخبرَنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم يظهرون بين الفَيْنَة والفَيْنَة، ثم ينقطعون!
وِممَّا يدلُّ على ما قلناه: أنَّ الروافضَ والخوارجَ وجهان لعملة واحدة، متى ظهر هؤلاء، نَبَزَ أولئك!

وهذا ما قرّره شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- في «منهاج السنة النبوية».
3- العنايةُ بتقريرات العلماء الكبار؛ فالمسائلُ الكبار ليست لأحداث الأسنان وسُفَهاء الأحلام، وإنما هي من شأن أولياء الأمور الحريصين، وتقريرات العلماء الربانيين.
ويُعجبنا -غايةً- ما قاله بعضُ العلماء الكبار -على إثر تفجيرات وقعت في بعض البلدان-:
(ثم لْيعلم الجميعُ أن الأمة الإسلامية -اليوم- تُعاني من تسلُّط الأعداء عليها من كل جانب، وهم يفرحون بالذرائع التي تُسوِّغُ لهم التسلُّطَ على أهل الإسلام، وإذلالَهم، واستغلالَ خيراتِهم، فَمَن أعانَهم في مقصدهم، وفتح على المسلمين وبلاد الإسلام ثغرًا لهم: فقد أعان على انتقاصِ المسلمين، والتسلُّط على بلادهم.
وهذا مِن أعظم الجُرم).

4- الواجبُ على الجميع -حُكاماً ومحكومين- المحافظةُ على الأمن؛ فهو نعمةٌ عظمى، ولا يكون ذلك -بعدَ توفيق الله- إلا بتولِّي وُلاةُ الأمور -سدَّدهُم الله- كَشْفَ منابع الشَّرِّ والتّطرُّف والانحراف، ومحاربة العلماء -وفَّقهُم الله- لأفكارِ الغُلُوِّ والتكفير، ونَقْضِها؛ سواءٌ كان ذلك مِن أفرادٍ أم جماعاتٍ، داخلَ البلاد أم خارجَها- والتي من خلالها تسلّل (العنف) إلى هؤلاءِ، وسرى (الغلوُّ) إليهم.

وما راج ذلك الغُلُوُّ البَشِعُ -بصوره!- إلا عند مَنْ يطعنُ في العلماء، ويُسيء الظنَّ بهم، ويرميهم بكبائر الفعائل، وفظائع الأشياء، ممّا رتّب على ذلك إذكاء نَفَس التثوير والتفجير، واحتقارَ أولياء الأمور، والتنقيصَ من شأنهم -وقد يقعُ مِن (بعضهم) -بل أكثرِهم- تكفيرُهم، والحكمُ بردّتهم-.

وإنَّ هذا البيانَ -بَعْدُ- لَفُرْصةٌ مُناسِبةٌ لتذكيرِ أولياءِ أُمور المسلمين -وعامَّتهم- {فإنَّ الذِّكرى تَنْفَعُ المُؤمنين}- بِما يفعلُهُ الصهاينةُ الغاصبون في بلادنا الإسلامية السَّليبة- فلسطين المحتلة -عامّةً-، وفي بيت المقدس -خاصّةً-، وفي المسجد الأقصى -بصورةٍ أخصَّ-؛ مِن تقتيلٍ، وسَجْنٍ، وتعذيب، ومُصادرة للأراضي، وحِصارٍ شرِسٍ للمدنييِّن العُزَّلِ، ناهيك عن تلك المُحاولات الدنيئة -المستمرة- (منهم) لِهدم أُولى القبلتين -المسجد الأقصى المبارك-، وإحلال هيكلِهم المزعومِ مكانَه!

وهذا -كُلُّهُ- يدعو أولياءَ الأمور -وفّقهم الله- إلى التصدِّي لهذا العدوان الصهيونيِّ الصارخ بكل وسيلة شرعيَّةٍ متاحة؛ وإعانةِ إخوانِهم المظلومين -المحرومِ أكثرُهم مِن الحاجاتِ الإنسانيَّة الأساسيّة مِن غذاءٍ ودواءٍ-؛ فإنَّ هذا من أعظم الواجبات عليهم، بل هو -إن شاء اللهُ- مِن صُوَر الجهاد الشرعيِّ العظيم الذي يُقَرِّبُهم إلى الله زُلفى.

ولا مُفَرِّج إلا اللهُ -سبحانه وتعالى- القائل: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، و: {إنَّ ربَّك لبالمرصاد}.

ونُذكّر -أخيراً- بقول الله -تعالى -والذي هو صِمَامُ أَمانٍ لكل المجتمعات العربية والإسلامية في كل زمان ومكان-: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}؛ فتوفيرُ الإيمان مِن أعظم أسباب جلب الأمن والأمان، ودفع الرُّوع والخوف وعدم الاطمئنان.

وصلّى اللهُ وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه -أجمعين-.
وآخِرُ دعوانا إنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.
24/محرم/1431هـ - 10/1/2010م
مركز الإمام الألباني
للدراسات العلمية والأبحاث المنهجية
عمان - الأردن
الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان     
أ.د. باسم بن فيصل الجوابرة         د.محمد بن موسى آل نصر
د. زياد بن سليم العبادي  الشيخ علي بن حسن الحلبي

المصدر : الجزيرة