محمد النجار-معان
 
شيع المئات من أهالي مدينة معان جنوبي الأردن مساء الأحد جثمان المواطن فخري العناني (47 عاما) الذي توفي متأثرا بجراح أصيب بها أثناء مناوشات وقعت بين مواطنين ورجال أمن في المدينة قبل أيام.

وفيما جرت مراسم التشييع بهدوء، شهدت المدينة الواقعة في قلب الصحراء الأردنية ليل الأحد مصادمات أحرق خلالها مواطنون غاضبون نقطة تابعة للأمن العام وسيارة للشرطة.
 
كما روى شهود عيان أن بعض المحتجين فتحوا النيران على رجال الشرطة الذين كانوا يحرسون مركزا أمنيا في المدينة، فيما قام عشرات آخرون بالاشتباك مع الشرطة وسدوا الطريق الصحراوي المؤدي إلى ميناء العقبة جنوبا.

وتمكن رجال عشائر من تهدئة الأوضاع في المدينة إثر اعتقال السلطات الأمنية ضابطا اتهم بالتسبب في قتل المواطن، كما قامت عشيرة الضابط بأخذ "عطوة أمنية" من عشيرة المتوفى.

و"العطوة" هي عادة اجتماعية بالأردن يقوم خلالها أهل القاتل أو المتسبب بالاعتراف بما تسبب به ابنهم وتحمل تبعاته.

والعناني هو ثاني أردني تتهم السلطات الأمنية بالتسبب بقتله خلال أسبوع، حيث وقعت مصادمات الأسبوع الماضي في حي الطفايلة في عمان بين مواطنين غاضبين ورجال الدرك إثر وفاة الشاب صادم السعود متأثرا بجراح أصيب بها جراء تعذيبه على يد رجال الأمن، كما قال ذووه.

كريشان: ما حصل يمثل انتهاكا فاضحا لحقوق الإنسان (الجزيرة نت)
محاكمة
واتهم ذوو العناني قوات الأمن بقتله دون أن يكون مطلوبا لهم أو مشتركا في مواجهات معهم، فيما أكدت مصادر الأمن العام أن الضابط المتسبب أحيل للمحكمة المختصة.

وكان الأمن العام أحال الأسبوع الفائت ستة من ضباطه وعناصره اتهموا بتعذيب وقتل الشاب صادم السعود الذي تسببت وفاته بوقوع اشتباكات في الحي أحرقت خلالها مفرزة للشرطة وعدد من السيارات وأصيب أربعة من رجال الشرطة بعيارات نارية.

وقال الدكتور أكرم كريشان -وهو من عائلة القتيل في معان- إن ما حصل "يندرج ضمن الحالات التي شهدتها المملكة مؤخرا وتمثل انتهاكا فاضحا لحقوق الإنسان ولا تتوافق مع المعايير الدولية".

وطالب في حديث للجزيرة نت أثناء تشييع قريبه المتوفى بـ"إعادة النظر في المنظومة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية ومعاقبة كل معتد وآثم على أفراد أمنين مستقرين لا علاقة لهم بشيء". مؤكدا أن "المتوفى ليس مطلوبا للأمن، واعتدي عليه من دون سبب".
 
وكانت السلطات الأردنية نقلت العناني قبل أيام بطائرة عامودية لمستشفى المدينة الطبية في عمان نتيجة تعرضه للضرب على رأسه من أفراد أمن، قبل أن يتوفاه الله مساء السبت.

المئات شاركوا في تشييع العناني (الجزيرة نت)
وقفة جادة
وبرأي رئيس تحرير صحيفة العرب اليوم طاهر العدوان فإن تكرار حوادث قتل مواطنين على أيدي رجال الأمن "يدعو لوقفة جادة أمنية وسياسية من قبل مختلف مرجعيات الدولة الأردنية".

وقال للجزيرة نت "مثل هذه الحوادث تسيء لسمعة الدولة ورجال الأمن وتظهرنا وكأننا نعيش في حالة من الفوضى"، لافتا إلى أن تكرار حوادث وفاة مواطنين على أيدي رجال الأمن "يؤكد حاجتنا لوقفة جادة لمعرفة مكامن الخطأ ومعالجتها".

غير أن رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان هاني الدحلة يرى أن إحالة ضباط الأمن لمحاكم الشرطة "يؤدي لإفلاتهم من العقاب".

ودعا في حديث للجزيرة نت إلى محاكمة رجال الشرطة المتهمين بالتعذيب أمام المحاكم المدنية علنيا "حتى يشعروا أنه لا يمكنهم الإفلات من العقاب" مؤكدا على "ضرورة طرد كل ما يثبت ضلوعه بأي شكل بتعذيب مواطنين".

وأشار الدحلة إلى أن تقارير المنظمة الدورية "تتحدث عن المعاملة القاسية للمواطنين في مقار الأمن والسجون"، ودعا لتغيير سياسة الأمن في التعامل مع المواطنين.
 
حي الطفايلة شهد أحداثاً مشابهة الأسبوع الماضي (الجزيرة نت)
أزمة مفتوحة

وكانت منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأميركية "هيومن رايتس ووتش" دعت في تقرير أصدرته العام الماضي لإلغاء محاكم الشرطة وإحالة رجال الأمن المتورطين بالتعذيب لمحاكم علنية.

وشهدت معان منذ العام 1996 جولات من الصدام بين قوات الأمن وأبناء العشائر على خلفيات اقتصادية وسياسية واجتماعية.

ووصف تقرير صادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية عام 2003 الأزمة في مدينة معان بأنها "أزمة مفتوحة"، واتهم التقرير الحكومات المتعاقبة بتهميش المدينة التي تعد واحدة من أفقر مدن المملكة.

ويشير سياسيون ومراقبون إلى أن توالي مثل هذه الحوادث يعزز الفجوة القائمة بين الأردنيين ومؤسسات الدولة، بينما يذهب معارضون لاعتبارها مخرجات لسياسات اقتصادية واجتماعية "هدفها تفكيك البلد"، كما قالت المعارضة توجان فيصل.

المصدر : الجزيرة