روحي الخالدي مناضل سياسي ومؤرخ رائد
آخر تحديث: 2008/5/23 الساعة 05:21 (مكة المكرمة) الموافق 1429/5/19 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/5/23 الساعة 05:21 (مكة المكرمة) الموافق 1429/5/19 هـ

روحي الخالدي مناضل سياسي ومؤرخ رائد

روحي الخالدي
صبحي حديدي


ليس من اليسير أن يكون المرء، في آن معاً، مناضلاً متحزباً ومتحمساً لقضيته الوطنية، ورجل تحريض وتعبئة يفصل لقب «بيه» بين اسمه وكُنيته، وبرلمانياً منتخباً لا يتحدث إلا عن خطر داهم يتهدد الهوية ثم يهدد بمحو البلد بأسره عن الخريطة، وقنصلاً يمثّل الباب العالي في مدينة بوردو الفرنسية، ومؤرخاً رصيناً يخضع نفسه على الدوام لرقابة منهجية رصينة في كتابة التاريخ.
 
وليس من اليسير أداء ذلك كله حين يكون المرء فلسطينياً، في ذروة احتقانات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي قلب ما عُرف في التاريخ الدبلوماسي باسم «المسألة الشرقية».

كانت هذه هي الخطوط العريضة لمعضلة الدبلوماسي ورجل السياسة والمؤرّخ والناقد الأدبي الفلسطيني روحي بيه الخالدي، وكانت هذه هي ذاتها التي جعلت منه شخصية محورية مركّبة تنوب عن فلسطين في المحافل الدولية مثل اجتماعات الجمعيات السرية، ومنابر الجامعات الأجنبية، ومجالس المصلحَيْن الإسلاميين الكبيرين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، في السجّل التاريخي كما في السجلات الثقافية للهوية الوطنية.

ولد الخالدي (1864-1913) في القدس، لأسرة الخالدي المسلمة السنيّة العريقة، والتي اقتسمت مع حفنة قليلة من الأُسَر الأخرى (آل الحسيني، وآل العلمي، وآل النشاشيبي، وآل جار الله، وآل نسيبة، وآل الخطيب...) النفوذ الاجتماعي والسياسي والعلمي في القدس، خصوصاً بعد إلغاء تابعية المدينة لدمشق وصيدا، ووضعها تحت تصرّف الباب العالي مباشرة.
 
وكان التقاسم الوظيفي دقيقاً ومستقرّاً منذ عقود، وربما منذ قرون: آل جار الله أسرة دينية تمارس المحاماة إجمالاً، وآل الحسيني والعلمي يتناوبون على المنصبين الرئيسيين للمفتي ونقيب الأشراف، وأما أسرة الخالدي فقد عُرفت بنزعاتها الليبرالية والإصلاحية، وتركيزها على التعليم العالي والسياسة.

الدراسة المبكرة
"
كان من الطبيعي أن يقترن التحصيل الدراسي والثقافي الرفيع بوعي وطني سياسي حادّ، تركّز آنذاك على مزيج مركّب من الليبرالية الإصلاحية في شؤون الدولة والمؤسسات والقانون المدني، واليقظة التشكيكية في مواقف الدول الغربية

"
وسط هذه المناخات ترعرع وليد الخالدي، فدرس في القدس، ثم تابع تعليمه الثانوي في نابلس وطرابلس (وهناك تردد على حلقات الشيخ محمد عبده، المنفيّ إلى المدينة بعد فشل ثورة أحمد عرابي).
 
التحق بالمدرسة السلطانية في بيروت، ثم سافر إلى الإستانة ودرس ستّ سنوات في المعهد الجامعي المعروف باسم «المكتب الملكي الشاهاني»، تخرّج بعدها بشهادة جامعية (وطيلة هذه الفترة كان يتردد على مجالس الشيخ جمال الدين الأفغاني).
 
المحطة الدراسية الأخيرة كانت باريس، في «مدرسة العلوم السياسية»، لدراسة التاريخ والدبلوماسية، وفي السوربون، لدراسة العلوم الإسلامية والشرقية. وفي عام 1897 عُيّن الخالدي مدرّساً في معهد نشر اللغات الأجنبية، وفي السنة ذاتها حضر مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في العاصمة الفرنسية.

وكان من الطبيعي أن يقترن هذا التحصيل الدراسي والثقافي الرفيع بوعي وطني سياسي حادّ، تركّز آنذاك على مزيج مركّب من الليبرالية الإصلاحية في شؤون الدولة والمؤسسات والقانون المدني، واليقظة التشكيكية في مواقف الدول الغربية تجاه مصير الإمبراطورية العثمانية والمسألة الشرقية عموماً (وفي هذه الفترة وضع كتابه «المقدمة في المسألة الشرقية»، الذي سيطبع بعد وفاته)، وتجاه المواقف والوعود والمؤامرات بصدد الهجرة اليهودية المنظّمة إلى فلسطين بصفة خاصة.
 
وهذا الوعي المركّب لم يكن يفتقر إلى تأثيرات عميقة تركتها أفكار محمد عبده وجمال الدين الأفغاني على ذهنٍ منفتح وليبرالي، ولكنه مسلم يعيش في غمرة مأزق شامل لإمبراطورية مسلمة، لا تقتصر آثار تفككّها المحتمل على تركيا وحدها، بل تهدد بمحو فلسطين من الخريطة.
 
السلك الدبلوماسي
أكثر من ذلك، كان الخالدي قد انخرط لتوّه في السلك الدبلوماسي، وعُيّن عام 1898 قنصلاً عاماً للدولة العثمانية في مدينة بوردو الفرنسية، وبقي في منصبه حتى تاريخ وقوع الانقلاب ضدّ السلطان عبد الحميد سنة 1908.
 
عندها عاد الخالدي إلى القدس ليدشن الطور الثاني، والعملي الحافل، من حياته.

في خريف السنة ذاتها جرت الانتخابات البرلمانية، وكانت حصة متصرفية القدس ثلاثة مقاعد فاز بها روحي بيه الخالدي، وسعيد بيه الحسيني، وحافظ بيه السعيد.
 
وفي ديسمبر/كانون الأول من السنة ذاتها انعقد المؤتمر الصهيوني التاسع في هامبورغ، وهو الثاني بعد ثورة «تركيا الفتاة»، واتخذ قراراً بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
 
"
" لكننا لم نغتصب هذه الأرض منكم. لقد حرّرناها من البيزنطيين الذين كانوا يحكمونها آنئذ. نحن لا ندين بأي شيء لليهود، واليهود لم يكونوا هنا حين فتحنا فلسطين"
روحي الخالدي
"
وكانت هذه هي المناسبة الأولى لكي يفتح روحي الخالدي أمام البرلمان ملفات التغلغل الصهيوني في فلسطين، فبدأ كلمته بانتقاد اليهود الأوروبيين المقيمين في فلسطين لأنهم يتقصدون الانعزال عن باقي العرب، وأعلن أنه من المتاح لكل يهودي أن يزور فلسطين.
 
 ثم قال «ولكن تأسيس مستعمرات يهودية مسألة أخرى. اليهود يمتلكون الإمكانية المالية. ولسوف يكونون قادرين على شراء العديد من قطع الأراضي، ويجردون المزارعين العرب من أراضيهم وميراث آبائهم. ولكننا لم نغتصب هذه الأرض منكم. لقد حرّرناها من البيزنطيين الذين كانوا يحكمونها آنئذ. نحن لا ندين بأي شيء لليهود، واليهود لم يكونوا هنا حين فتحنا فلسطين».
 
وطيلة الوقت بعد هذا النقاش الأول، تعاون روحي الخالدي مع رضا الصلح (بيروت) وشكري العسلي (دمشق) في تكوين «لوبي» عربي يعمل لصالح سنّ تشريع ضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، كانت نتيجته الفشل بسبب اللامبالاة التركية بأخطار الهجرة اليهودية وبالأهداف الحقيقية للأنشطة السياسية والمالية الصهيونية.

معارك برلمانية
في الانتخابات البرلمانية الثانية فاز روحي الخالدي من جديد، إلى جانب عثمان النشاشيبي وأحمد عارف بيه الحسيني. وتوجّب أن يشهد هذا الطور الثالث من حياة الخالدي السياسية معارك مريرة داخل البرلمان ليس ضد النواب المتعاطفين مع مراكز الضغط الصهيونية والأوروبية فحسب، بل ضد الوزراء الأتراك الاتحاديين أيضاً.
 
كذلك توجّب أن يميز بين اليهودي والصهيوني، ويشدد على أنّ العداء للصهيونية ليس عداء للسامية على نحو أوتوماتيكي. معضلة روحي الخالدي أخذت تتبلور تدريجياً في إمكانية التوفيق بين موقفه من المسألة الشرقية وميله عموماً إلى التسامح الجزئي مع الأتراك، في مقابل التشدد مع القوى الغربية الساعية لدفع «الرجل المريض» إلى حافة القبر، وموقفه من التذبذب التركي إزاء الهجرة اليهودية وعدم إصدار التشريعات الكفيلة بردعها.
"
سينشر أيضاً بعد وفاته «تاريخ الصهيونية»، يعلن فيه أنه آن الأوان لكي يبرئ ذمته أمام التاريخ، فيشرح التورّط التركي في تشجيع المطامع الصهيونية في فلسطين،

"
 
وكان الشارع الوطني الفلسطيني قد بدأ ينفضّ تدريجياً من حول الشرائح والنُخب السياسية العربية التي ارتبطت بهذا القدر أو ذاك بالأحزاب والجمعيات العثمانية، خصوصاً حين أخذت السلطات التركية تمارس التنكيل والاضطهاد بحق الوطنيين الفلسطينيين.

وفي عام 1913 أعلن روحي الخالدي أنه بصدد تسطير مقدمة لكتابه «تاريخ الأمة الإسرائيلية وعلاقتها بالعرب وغيرهم من الأمم»، والذي سينشر أيضاً بعد وفاته تحت اسم «تاريخ الصهيونية»، يعلن فيها أنه آن الأوان لكي يبرئ ذمته أمام التاريخ، فيشرح التورّط التركي في تشجيع المطامع الصهيونية في فلسطين، وكيف كانت رابطة الدين (الإسلام) واهية للغاية في السياسات التركية الأخيرة؟ ولكن تلك المقدمة لم تُستكمل، لأن الخالدي توفي صيف ذلك العام.

رائد أدبي
هنا تجدر الإشارة إلى جانب آخر هامّ في شخصية روحي الخالدي، هو جانب الناقد والمنظّر الأدبي، إذْ يذهب الحماس ببعض الباحثين الفلسطينيين إلى اعتباره رائداً في ممارسة النقد الأدبي بمفهومه الحديث. وفي كل حال، ثمة أسباب كافية تشجّع على القول إنه كان، بالفعل، رائداً في فرع واحد على الأقل، هو الأدب المقارن.
 
وكان كتابه «دراسات في فكتور هوغو والأدب عند الأوروبيين وعند العرب» Etudes sur Victor Hugo et sur la littrature chez les Europns et chez les Arabes قد صدر بالفرنسية أثناء إقامة المؤلف في مدينة بوردو، وتضمنت موضوعاته دراسات تعريفية للتراث الأدبي العربي («كليلة ودمنة»، وكتاب «الباهر» لابن المنجم، و«يتيمة الدهر» للثعالبي، و«دمية القصر» للباخرزي، و«وشاح الدمية» للبيهقي، و«خريدة العصر» لابن العماد، و«زينة الدهر» للورّاق، وأشعار البحتري والمتنبي والمعري، والأدب الأندلسي).
 
وله في الأدب الأوروبي (الشعر اليوناني والروماني، الدراما، فكتور هوغو، شكسبير، تأثير الأدب العربي على الآداب الغربية)، وموضوعات تفصيلية كثيرة أخرى، فضلاً عن صياغة تعريفات دقيقة لطائفة واسعة من المصطلحات الأدبية.

وفي عام 1904 صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن دار الهلال في القاهرة، تحت عنوان «فيكتور هوغو وعلم الأدب عند الإفرنج والعرب»، وحملت مفاجأتين: الأولى إغفال اسم المؤلف الحقيقي واختيار اسم مستعار هو «المقدسيّ» (والسبب المرجّح هو الخشية من بطش السلطات العثمانية بالمؤلف، بسبب تركيز الكتاب على أفكار فكتور هوغو التحررية)، وأما المفاجأة الثانية فقد كانت إصرار المؤلف على استخدام تعبير «علم الأدب» الذي لا يرد في الأصل الفرنسي، وكأنه أراد الإيحاء لقرائه العرب بأن دراسة الأدب هي علم مثل سائر العلوم.
 
الكتابة التاريخية
"
 ليس من مبالغة في القول إن روحي الخالدي كان رائد الكتابة التاريخية الحديثة في فلسطين، وكان بين أبرز مؤرّخي هذه الحقبة على نطاق العالم العربي بأسره. لقد امتلك ناصية المناهج الغربية في البحث والتحليل والمقارنة.

"

وإذا كانت ريادته في ميدان النقد الأدبي قابلة للنقاش، فليس من مبالغة في القول إن روحي الخالدي كان رائد الكتابة التاريخية الحديثة في فلسطين، وكان بين أبرز مؤرّخي هذه الحقبة على نطاق العالم العربي بأسره. لقد امتلك ناصية المناهج الغربية في البحث والتحليل والمقارنة.
 
وساعدته إقامته في فرنسا، واحتكاكه بأوساط الطلاب والأكاديميين والدبلوماسيين، على تكوين رؤية شمولية عريضة. وكان التاريخ هاجسه المعياري المركزي أياً كان الموضوع الذي يتناوله (له مخطوط في علم اللسانيات واللغات المقارنة، وآخر في علم الكيمياء العربي وكيف انتقل إلى الغرب)، وأينما اتجهت هواجسه (كما هي حال مخطوطته «رحلة الأندلس» مثلاً).

ولقد رحل قبل أن تكتمل فصول المسألة الشرقية على نحو يكاد يتطابق تماماً مع تحليله المبكّر لمآلاتها الختامية. وعزاؤه أنه لم يشهد بأمّ عينيه كيف اكتمل الفصل الذي يخصّه أكثر بين جميع فصول تلك المسألة؟ أي محو فلسطين من الخريطة. والأرجح أنّ النكبة الوطنية كانت ستقترن في وجدانه بعذاب شخصي جرّاء انكسار المشروع الليبرالي الإصلاحي الذي وضعه نصب عينيه، سواء في مجالس عبده والأفغاني، أو على مدرجات السوربون.
المصدر : الجزيرة