أنا من مواليد 6 ديسمبر/كانون الأول سنة 1936، لأن أهلي أرخوا لمولدي بحدوث الثورة التي قام بها الشباب الفلسطينيون بقيادة عز الدين القسام.

كنا في حيفا بمنطقة تجاور منطقة "الهغارا كرمل" التي كان يقطن فيها اليهود، ولم تكن بيننا وبينهم أي مشكلات، وما سمعت قط أن عربيا اعتدى على يهودي أو أن العكس حدث.

لكن بعد مدة أصبحنا نرى سيارات تحمل شبابا يهودا مسلحين، ولما سألنا آباءنا عنها عرفنا منهم أن هذه عصابات "الهاغانا".

كنا في هذه الفترة نمشي في الشارع ونصادف سيارات عسكرية إنجليزية فيها يهود عرفنا فيما بعد أنهم من العصابة المسماة "شتيلم" وبعد مدة بدأنا نسمع أن هناك يهودا آخرين وافدين على المنطقة، غير أولئك الذين كانوا يقطنون فيها من قبل.

لا زلت أذكر أني في إحدى الأيام كنت أتجول في أحد شوارع حيفا فإذا بأبي يقف أمامي ويستحثني على أن أخلي المكان لأن اليهود استحلوا منطقتنا، وسرعان ما فرقت القذائف والطلقات بيني وبينه، فأصبح هو في شارع وأنا في شارع آخر.

وأذكر أن إطلاق النار بدأ حوالي الساعة الرابعة عصرا ولم نصل أنا وأبي إلى البيت إلا في الساعة التاسعة ليلا، مع العلم أن المكان الذي كنا فيه لم يكن يبعد عن البيت إلا بمقدار ربع ساعة مشيا.

ولما وصلنا إلى البيت وجدنا اليهود قد قتلوا أمي وابنة جيراننا، وأذكر أني ذهبت إلى المستشفى كي أرى جثة أمي، فوجدتها بعدما بحث معي عليها الطبيب الدكتور حمدي، الذي كان يعرفنا جيدا بحكم أننا كنا من الذين اعتاد على علاجهم، وكانت أمي أول شهيدة سقطت في حيفا.

وكان أحد المسؤولين آنذاك في مجلس الإصلاح الأهلي للحي الشرقي وهو رشيد الحاج إبراهيم، قد نصح أبي بالهجرة والنجاة بأرواح أولاده لأن المنطقة لم تعد آمنة.

هاجرنا إلى بلدة السطيرة ومكثنا فيها مدة إلى أن امتدت إليها بدورها غارات اليهود كما امتدت إلى كل القرى التي تحيط بحيفا، وما زلت أذكر كيف أن الطائرات كانت تسقط علينا منشورات تدعونا للاستسلام والتعايش مع اليهود، ويهددوننا إن لم نستسلم بأن يحولوا المنطقة إلى فلاة تنعق فيها الغربان.

هربنا من السطيرة نحو الجبال، ومشينا أياما وليالي إلى أن وصلنا منطقة تسمى عارة وعرعرة ووجدنا فيها أيضا جثثا ودبابات.

لم نكن نعرف الطريق وكان معنا دليلان وكنا نمشي وليس معنا لا مأكل ولا مشرب، وصلنا إلى منطقة جنين ومكثنا فيها حوالي عشرين يوما، ثم طالتها بدورها غارات يهودية شرسة، فهاجرنا من جديد إلى منطقة نابلس، وسكنا فيها تحت أشجار الزيتون حوالي ستة أشهر.

أذكر في هذه الفترة أن الجيش الأردني مر علينا ووعدنا مسؤول فيه بأن تكون قواته في قلب حيفا بعد أربع ساعات، لكنه تلقى بعد ذلك أوامر بالعودة إلى عمان.

بعد ذلك تفرقت بنا السبل، فمنا من هاجر إلى الأردن ومنا من هرب إلى لبنان وآخرون إلى سوريا.

أنا وأسرتي جئنا إلى الأردن وكانت عمان في تلك الأيام في بداية عمرانها، وبعدة مدة جاء إلينا مسؤولون وطلبوا منا أن نرحل إلى سوريا على سيارات.

هذا بعض ما أذكره مما حصل، وأكرر القول إننا كنا متعايشين مع اليهود في فلسطين، لكن الوضع تغير لما أصبح يفد إليها يهود مهاجرون في بواخر مليئة من شتى بلدان العالم، تغيرت الأوضاع وأصبح حتى من كنا متعايشين معهم يعادوننا ويطردوننا من بيوتنا.

المصدر : الجزيرة