الفار: بعد سقوط اللد رضع الطفل من أمه المتوفاة
آخر تحديث: 2008/5/19 الساعة 14:55 (مكة المكرمة) الموافق 1429/5/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/5/19 الساعة 14:55 (مكة المكرمة) الموافق 1429/5/15 هـ

الفار: بعد سقوط اللد رضع الطفل من أمه المتوفاة

 الفار: لم يكن العرب مسلحين كفاية
لمواجهة العصابات الصهيوينة (الجزيرة نت)
مصطفى الفار
 
بدأت اللد منذ عام 1947 الاستعداد لخوض المعارك مع اليهود لأن العرب رفضوا قرار التقسيم، ومع الأسف لم يكن هناك أي استعداد بفلسطين لمواجهة اليهود على ما أعلم، أقصد الاستعداد المسلح.

بدأ العرب إثر إعلان قرار التقسيم بتشكيل اللجان القومية، واستعانت الهيئة التي تكونت في البلدة بالعسكريين السابقين فقد كان علي إسلام من المدربين في الحرب العالمية الأولى، أيضا حسن سلامة وكان الأخير خارج البلاد حيث كان مطلوبا من الحكومة البريطانية.

قامت الهيئة القومية بشراء الأسلحة من الأردن ومصر وسوريا، لكنهم لم يستطيعوا أن يحصلوا إلا على الأسلحة الخفيفة، هذا إلى جانب شراء الأفراد من أموالهم الخاصة السلاح، أما عدد الشباب الذين تدربوا في تلك الفترة فكان ثلاثمائة شاب دربوا على يد حمزة صبح.
 
وحين بدأ احتلال القرى من جانب يافا أشار أحد الأشخاص واسمه حسن حسونة بحفر خندق من جهة معسكر صرفند، وخلال حفر الخندق أخذ اليهود بإطلاق النار علينا، وبالتالي أصبحت الجهة الغربية للمدينة محصنة.

أريد أن أعود قليلا إلى قبل الهدنة فقد حدثت حادثة أعتقد أنها مهمة لأن تعرف إذ سمع المناضلون بأن هناك قطارا أتى من يافا ومتجها إلى القدس يحمل على متنه ثلاثة مدافع مع ذخيرتها، أوقف المقاتلون القطار وغنموا حمولته من أسلحة ومدافع، وقد تمت هذه العملية ليلا.
 
"ماكو أوامر"
"
اتصل المناضلون بقائد عراقي فقال لهم "ماكو أوامر بمساعدتكم بأسلحة أو جنود" فتمرد جنديان عراقيان وأتيا لمساعدتنا، أما الذخيرة فقد صنعت في محددات اللد
"
كان ينقص المدافع الذخيرة، فاتصل المناضلون بالقائد العراقي فقال لهم "ماكو أوامر بمساعدتكم بأسلحة أو جنود" فتمرد جنديان عراقيان وأتيا لمساعدتنا، أما الذخيرة فقد صنعت في "محددات اللد" أيضا قام الحدادون بتصفيح السيارات وأصبح لديهم 11 مصفحة ووضعوا عليها "هوشكز وبرنات" بعد 10 مايو/أيار دخلت سريتان أردنيتان توزعت بين محطة اللد ومطارها.

في التاسع من يوليو/تموز انتهت الهدنة وقد كان هناك لواء من جيش العدو يحاصر المدينة بعد احتلال جميع القرى المجاورة، دخلوا إلى مطار اللد واحتلوه ليلا في العاشر من تموز، فأصر عبد ربه أبو شرف لاستعادة المطار ونشبت معركة غير متكافئة استشهد إثرها عبد ربه أبو شرف، ومصطفى القاووق وعبد الله البابا وآخرون.
 
حوالي الحادية عشرة ليلا أطلق زامور الخطر، وكان الهجوم على البلدة من الجهة الشرقية، جهة دانيال وجمزو اشترك في هذه المعركة الجيش الأردني وصدوا الهجوم بعد ساعتين وقتل عدد كبير من اليهود، الساعة الثالثة ظهرا لاحظنا أن القيامة قد قامت حيث دخل اليهود المدينة وتوغلوا بها، وقد كان الرصاص يمر من فوق رأسي.
 
علمنا أن اليهود دخلوا من الجهة الشرقية بلواءين موشي ديان ويغال ألون. دخلوا بالمصفحات وأؤكد أن هؤلاء دخلوا بملابس الجيش الأردني لأنهم التقطوا إشارة اللاسلكي من الكتيبة الموجودة في منطقة دير طريف بأن النجدة قادمة، فتنكرت مقدمة جيش العدو بلباس يشبه زي الجيش الأردني.
 
دخل اليهود بأسلحتهم ومدرعاتهم إلى اللد، وتحصن بعض مقاتلي الجيش الأردني في مركز الشرطة، ثم أخذ اليهود ينادون بمكبرات الصوت أن على الشباب التواجد في المساجد، كثير من الشباب دخلوا إلى المساجد ومعهم أسلحتهم الشخصية، في تلك الليلة سمعنا تبادلا لإطلاق النار في البلدة القديمة.
 
استباحة وقتل
"
دخل اليهود بملابس الجيش الأردني لأنهم التقطوا إشارة اللاسلكي من الكتيبة الموجودة في منطقة دير طريف بأن النجدة قادمة، فتنكرت مقدمة جيش العدو بلباس يشبه زي الجيش الأردني.

"
في الصباح علمنا بأن اليهود دخلوا على البلدة القديمة وقتلوا الشباب والشيوخ والأطفال، وسمعنا أنهم أتوا ببعض النساء ووضعوهن أمام المسجد والكنيسة كدروع بشرية كي يقاوموا إطلاق النار عليهم من داخل المسجد.

وحين دخل اليهود بيتنا رفعنا أيدينا وقال لي الجنود أنت تعال اقتادوني معهم إلى المسجد أسيرا، التقيت مع أحد الأشخاص من بيت الخطيب وقال لي لنذهب إلى الجامع الكبير، كان هناك صف كبير من الناس كان الجنود يفتشونهم ويجردونهم من أشيائهم، أخذوا النقود التي معي، ونمنا تلك الليلة في المسجد.
 
في الساعة الحادية عشرة سمعنا إطلاقا للنار بشكل غزير عرفنا بعد ذلك أن ثلاث مدرعات أردنية دخلت لتحرير أحد الضباط الأردنيين وهو صلاح الدين عزيز نحن ظننا أنها النجدة المزعومة، وانسحبت هذه الدبابات وقد طوقت.

أما نحن فبعد أن قاوم أحد الموجودين في المسجد وهو جميل هارون أطلق اليهود النار على كل من فيه وقد وجدت 76 جثة للشهداء الذين قضوا هناك.

يوم الثلاثاء حضر اليهود لترحيلنا إلى نعلين مشيا، وجدت والدي وقد اقتاد دابة وضع عليها ما خف حمله، بعد أن أخذتني والدتي من المسجد وللعلم أن الناس في البلدة القديمة أخذ أغلبهم أسرى وسمعت أن بعضهم استشهد.

ومما جرى أن أحد الشباب الذين تزوجوا حديثا حاول أحد الجنود سلب حلي زوجته منها لكن الزوج الصغير أخذته الحمية فاطلق الإرهابي الصهيوني عليه النار ليسقط شهيدا أمام عروسه، لقد شاهدت تلك العروس الصغيرة تبكي على ذلك الشاب بأم عيني هذه.
 
تهجير وعطش
"
كان هناك أناس يبولون ويشربون لشدة العطش. رأيت نساء وافاهن الأجل وأطفالهن على الأثداء ترضع الأم ميتة والطفل يرضع

"
أعود لأتحدث عن الطريق حيث فتشنا تفتيشا آخر، أخذ اليهود ساعتي وقلمي الحبر ورحنا في المسير في الطريق دب بنا العطش، وحين وصلنا إلى قرية جمزو كان هناك صنبور ماء وحين هممنا بالشرب فتح اليهود علينا النار.
 
وصلنا إلى حدود نعلين عطاشا. ماذا أصف؟ كان هناك أناس يبولون ويشربون لشدة العطش. رأيت نساء وافاهن الأجل وأطفالهن على الأثداء ترضع، الأم ميتة والطفل يرضع.
 
مساء وصلنا إلى نعلين وجدنا فيها بئرا، أحد الذين معنا ألقى نفسه في البئر من شدة العطش، وحين أخرجوه منها أخذوا يمصمصون بملابسه من شدة العطش.
 
بعد ذلك أتت شاحنات من الجيش الأردني أقلونا إلى رام الله، وهناك وضعونا في المدارس، حيث آثر والدي أن يذهب إلى غزة، وبعد غزة عملت أنا بالوكالة معلما، ونقلت بعدها إلى عمان عام 1955 واستلمت مديرا لمركز تربية أساسية.

أنا لم أقطع الأمل بالعودة إلى فلسطين، كلا لم أقطع الأمل ولا الرجاء من العودة لا بد أن نعود.
المصدر : الجزيرة