عند الاختلاف بين الطوائف تكثر الاجتهادات لتفسير الصلاحيات وقد تصبح عرفا  (الفرنسية-أرشيف)

يتميز لبنان بأنه البلد العربي الوحيد الذي يترأسه رئيس مسيحي وتحديدا ماروني بموجب العرف، والذي يعني بالحالة اللبنانية أنه عصي على التعديل في حين أن المواد الدستورية الأخرى المنصوص عليها من الممكن تعديلها. وينطبق هذا الأمر ووفق الرؤية نفسها على رئيس الوزراء السني ورئيس مجلس النواب الشيعي.

فرئيس الجمهورية الماروني قبل اتفاق الطائف (1989) كان يتمتع بصلاحيات إجرائية واسعة، لأن النظام اللبناني كان رئاسيا بامتياز، لهذا إبان الحرب الأهلية كانت توصف الحالة السياسية في لبنان القائمة على أساس ذاك النظام ومن قبل المسلمين خاصة، "بالمارونية السياسية"، وهي تعني الهيمنة والتفرد الماروني بشؤون الحكم دون غيرهم من الطوائف اللبنانية.

"
توجه الدستور اللبناني بعد الطائف لإرساء صيغة المشاركة في السلطة الإجرائية بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعا، لتحقيق المشاركة في الحكم بين المسلمين والمسيحيين
"
ولكن بعد اتفاق الطائف وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية فقد تغير الحال، حيث أصبحت الصلاحيات الإجرائية مقسمة بين رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والحكومة نفسها.

الدستور والرئيس
ويتعرض الدستور اللبناني لصلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية في الفصل الرابع منه المخصص للسلطة الإجرائية، على أساس أن رئاسة الجمهورية في مقدمة السلطات الإجرائية، ويفصل صلاحيات الرئيس ابتداء من المادة 49 وما يليها إلى المادة 63.

فالمادة 49 تعطي للرئيس مكانة رمزية خاصة فتقول "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور" وتعطيه صلاحية ترأس "المجلس الأعلى للدفاع" وتصفه بأنه "القائد الأعلى للقوات المسلحة" ولكن القوات المسلحة بنفس الوقت "تخضع لسلطة مجلس الوزراء".

وتشكل هذه المادة نموذجا لكل ما يأتي بعدها، من حيث توجه الدستور اللبناني بعد الطائف لإرساء صيغة المشاركة في السلطة الإجرائية بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعا (المؤلف من كل الطوائف)، لتحقيق المشاركة في الحكم بين المسلمين والمسيحيين.

فيما يخص القوانين والمراسيم يحق لرئيس الجمهورية إصدار القوانين إنما بعد أن يكون قد وافق عليها مجلس الوزراء، ومن جهة أخرى ليس للرئيس حق التعديل عليها، ولكن "له حق الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية. وإذا أصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو انقضت المهلة دون إصدار المرسوم أو إعادته يعتبر القرار أو المرسوم نافذاً حكماً".

"
من الناحية الواقعية إن وزن رئيس الجمهورية اللبنانية أكبر من الصلاحيات المناطة به، لأنه يمثل المسيحيين في لبنان
"
وعلى نفس المنوال أعطى الدستور رئيس الجمهورية حق عقد المعاهدات الدولية وإبرامها ولكن "بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء".

ولرئيس الجمهورية حق ترأس مجلس الوزراء عندما يشاء ولكن "دون أن يشارك في التصويت"، وله حق عرض أي أمر من الأمور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الاعمال، كما له أن يدعو مجلس الوزراء استثنائياً للاجتماع كلما رأى ذلك ضرورياً إنما "بالاتفاق مع رئيس الحكومة".

وهو الذي يسمي رئيس الحكومة ولكن بناء على ما تقرره أغلبية النواب بعد تشاوره معهم، ويصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم.

وأعطاه الدستور حق إصدار بعض المراسيم متفردا أي تحمل توقيعه هو ولكنها في الغالب لا تأخذ شرعيتها إلا بالتشارك مع سلطات أخرى مثل تسمية رئيس مجلس الوزراء والذي يختاره النواب ويصدر الرئيس مرسوم تسميته فقط.

وله صلاحيات أخرى مثل إحالة مشاريع القوانين التي ترفع إليه من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب مثل منح العفو الخاص، واعتماد السفراء وقبول اعتمادهم ومنح الأوسمة وما إلى ذلك.

ومن الناحية الواقعية إن وزن رئيس الجمهورية اللبنانية أكبر من الصلاحيات المناطة به، لأنه يمثل المسيحيين في لبنان، وعند الاختلاف بين الطوائف اللبنانية الكبرى تصبح الصلاحيات مسألة ثانوية، خاصة وأن الاجتهادات في الفقه القانوني اللبناني إذا مرت ولو مرة واحدة، تصبح عرفا ملزما، وهو ما يفسر بعض وجوه النزاعات القانونية والطائفية.

المصدر : الجزيرة