مكونات المشهد السياسي المصري في صورته العامة حاليا لم تعد بحاجة إلى محللين وعلماء اجتماع سياسي ليقدموا عصارة فكرهم في استخلاص دلالاته، فمجرد تأمل بسيط في مكونات الصورة يمكن أن ينبئ عن ما بات يعتمل في رحم الأيام القادمة، وما بدأ يتشكل في الأفق القريب.
 
في إحدى زوايا المشهد يُرى قضاة مصر وهم يتجمعون أمام ناديهم مطالبين بسن قانون للسلطة القضائية يحفظ لهم استقلالهم ويحميهم من تغول السلطة التنفيذية. وفي زاوية أخرى من الصورة نفسها تشاهد حشود هائلة من قوات الأمن المركزي ينهالون بالعصي والهري على من جاء من رموز المجتمع مؤيدا ومؤازا للقضاة في وقفتهم.
 
وفي مكان بارز من الصورة يلاحظ أحد القضاة وقد طرحه رجال الأمن على الأرض وانهالوا عليه ضربا وركلا وسبا وقذفا، وفي مساء يوم التقاط هذه الصورة يظهر القاضي على شاشة إحدى الفضائيات يحكي قصته بدمعة تتسلل على خديه رغما عنه، مستدعية إلى الذاكرة مأساة شبيهة تعرض لها الفقيه الدستوري الدكتور عبد الرزاق السنهوري قبل أكثر من 50 عاما، في دلالة يبدو أنها تريد أن تقول إن جوهر نظام الحكم ورغم كل هذه السنين لم يتغير.
 
وفي الزاوية المقابلة من صورة المشهد السياسي المصري نرى بروزا واضحا لمشهد نمطي متكرر عنوانه "الفتنة الطائفية" وأبطاله المسلمون والمسيحيون، وأحداثه تقع مرة في الإسكندرية وأخرى في البحيرة ومرات في الخانكة والدرب الأحمر.. في تأكيد مستمر على أن النسيج الاجتماعي المصري بات مهددا في لحمته فاقدا لحصانته.
 
وإذا وضعنا ما يعلنه بدو سيناء في "الشرق" من احتجاج علني على سوء المعاملة الأمنية للآلاف من أبنائهم الذين اعتقلوا بعد تفجيرات طابا وشرم الشيخ العامين الماضيين، وما يبديه أهالي النوبة في "الجنوب" من شعور بالغبن والتهميش يمكن القول إن بنية المجتمع المصري باتت حقيقة في خطر.
 
وفي الزاوية المقابلة من الصورة نفسها تُشاهد جموع من طلاب وأساتذة الجامعات يطالبون برفع الوصاية الأمنية عنهم، والكف عن ملاحقاتهم واعتقالهم، وإلغاء لائحة 79 المقيدة لنشاطهم والعودة إلى لائحة 76، والكف عن التدخلات الأمنية في اختيار أعضاء نوادي هيئات التدريس الخاصة بهم.
 
كل ذلك يعزز القناعة بأن مراكز صنع أجيال المستقبل في مصر تعيش حالة من الكبت والاحتقان لم يكن مستغربا أن تلقي بظلالها على العملية التعليمية فتخرج هذه الجامعات من المنافسة حتى على المركز رقم 501 من الجامعات العالمية.
 
وفي وسط المشهد ترى العين حشودا من مئات الآلاف من الإسلاميين مطالبين بالسماح لهم بالعمل السياسي أسوة بأصحاب التيارات الفكرية الأخرى مثل الليبراليين واليساريين، ومحذرين الجميع من إمكانية العمل السري في أقبية مظلمة تحت الأرض إذا ما استمر الانسداد في شرايين العمل السياسي العلني.
 
أما خلفية الصورة فقد تصدرها ملايين الفقراء ممن كانوا يسمون حتى عهد قريب بـ"الطبقة الوسطى" يشاهدون وقد زحف الفقر إليهم حتى بات الواحد منهم يصارع دوامة الحياة اليومية باحثا عن لقمة عيش عز وجودها، في وقت يسمعون فيه منذ ربع قرن أحاديث كثيرة عن تنمية ملأ الشيب رؤوس أغلبهم ولم يروا ثمارا لها.
 
يحيط بإطار هذه الصورة العامة قانون للطوارئ مشهر منذ 25 عاما في وجه رموز التغيير الاجتماعي والسياسي، غاضا الطرف عن ظاهرة اشتهرت باسم "البلطجة" التي يحتكم أفرادها إلى قانون الغاب، ساعدهم على ذلك انحسار لدور الدولة أحيانا، وتشجيع من بعض رموز الحزب الحاكم أحيانا أخرى.
 
هذا المشهد المضطرب وهذه الصورة المهزوزة وتلك الألوان القاتمة توحي بأن الرافعة المفترض أن تنتشل دولة كبيرة بحجم مصر من وحل حاضرها لا تزال تواجه صعوبات تجعل من كل ما سبق لقطة تذكارية لصورة من صور الماضي.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة