أيمن نور.. لون مختلف ومذاق جديد
آخر تحديث: 2005/3/13 الساعة 19:49 (مكة المكرمة) الموافق 1426/2/3 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2005/3/13 الساعة 19:49 (مكة المكرمة) الموافق 1426/2/3 هـ

أيمن نور.. لون مختلف ومذاق جديد


لم يعد أمرا مستغربا أن يرفع مجلس الشعب المصري الحصانة البرلمانية عن أحد نوابه ويتهمه إما بالتهرب من التجنيد أو بالاستيلاء على قروض مصرفية بدون ضمانات أو حتى بالتزوير في شهادة محو الأمية، لكن أن يصل الحال إلى أن توجه إحدى هذه التهم إلى رئيس حزب سياسي فترفع عنه فجأة حصانته البرلمانية، ثم يلقى القبض عليه فورا من أمام بوابة مجلس الشعب، ويقذف به داخل سيارة لنقل المساجين، تسير به إلى سجن مزرعة طرة ويوضع هناك في زنزانة تبلغ مساحتها 70 × 80 سم، فهذا كله أمر غير مألوف، وتصرف يرسم على الفور الكثير من علامات الاستفهام.
 
من هو هذا الرجل -أيمن نور- الذي تعاملت معه الحكومة المصرية بهذا الشكل؟ وما هذا الحزب الذي يمثله؟ وأي خطورة اكتشفتها فيه هذه الحكومة فجأة واستدعت منها على الفور هذا النهج في التعامل معه؟ وكيف أقدمت على مثل هذا الأمر ودعوة الرئيس بوش مصر بأن تقود قطار الديمقراطية العربية كما قادت من قبل قطار السلام مع إسرائيل لايزال يتردد صداها في الآذان؟ 
 
عرفت الحياة السياسية المصرية مفهوم تصنيف الأحزاب والحركات السياسية على أساس أيديولوجي، فهذا حزب يساري يطلق على نفسه "التجمع" وذاك حزب قومي يسمى نفسه "الناصري"، وتلك حركة علمانية وهذه إسلامية...إلخ لكنها نادرا ما شهدت ولادة حزب يعترف كما جاء على لسان نور نفسه بأنه "لا يتبنى أي أيديولوجية فكرية مسبقة وأن رؤيته لتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية تنبع من برامج عملية تغوص في التفاصيل وتقدم حلولا مغايرة لما يطرحها الحزب الحاكم".
 
هذا هو ما تميز به حزب الغد في برنامجه الذي تقدم به إلى لجنة الأحزاب المصرية بمجلس الشورى وحصل منها العام الماضي على الموافقة بعد خمس مرات من الرفض.
 
كانت الرسالة التي تود الحكومة المصرية إيصالها إلى الرأي العام في الداخل والخارج من خلال قرار لجنة شؤون الأحزاب بمجلس الشورى التي يسيطر عليها الحزب الوطني الحاكم هي أن بحيرة الحياة السياسية المصرية التي لم يتحرك ماؤها منذ عام 1981 ولم توافق طواعية على ولادة أي حزب جديد منذ 25 عاما، آن لمائها أن يتحرك إيذانا ببروز صفحة جديدة عنوانها أن الإصلاحات السياسية أمر وارد وأن دعوات الإصلاح السياسي لم تعد من المحرمات.
 
وقتها اتهم الكثير من أصوات المعارضة حزب الغد وزعيمه أيمن نور بأنه عقد صفقة سرية مع الحكومة المصرية تسمح له من خلالها بالوجود مقابل أن تستغله كمسحوق تحسن به وجها مطلوبا له أميركيا أن يتجمل، لكن المظاهرات التي قادها أعضاء حزب الغد في بعض الجامعات المصرية، والشعارات التي رفعها أيمن نور في التجمعات المحدودة التي رفضت صراحة إعادة انتخاب الرئيس المصري فترة خامسة ورفضت توريث الحكم فاجأت الجميع وقدمت رسالة مفادها أن هذا الحزب الوليد ليس دمية اصطنعتها الحكومة.
 
إلى هنا والأمر ليس فيه جديد، حزب تأسس، وشعارات - ككل الشعارات المعارضة - تطالب بالتغيير رفعت، فلماذا إذن وقع ما وقع لأيمن نور ولصحيفته؟ ولماذا تغيرت قواعد اللعبة لتأخذ هذا السيناريو الدرامي؟
 
شعبيا يستشعر الكثير من المصريين أن الرهان على الأحزاب أو الحركات ذات التوجهات الإسلامية أو الماركسية واليسارية أمر لن يكون مقبولا أميركيا على الأقل في هذه المرحلة التي لم تعد تحتمل تأخيرا في عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي.
 
أما الأحزاب الليبرالية القديمة وعلى رأسها حزب الوفد فإنه يبدو كذلك أن رجل الشارع لم تتعزز لديه قناعات كافية ببرنامج هذا الحزب، ومدى اختلافه عما يطرحه الحزب الوطني الحاكم نفسه، ناهيك عن انطباعاته غير المريحة عن بعض رموزه القديمة لاسيما تلك التي كانت في مواقع الصدارة بالحزب حتى وقت قريب والتي تعيد الذاكرة الجمعية الشعبية إلى عهد الباشوات، وهو عهد لا يحظى بالقبول الكافي لدى قاعدة شعبية واسعة في المجتمع المصري.
 
من هنا أفرزت الخريطة الفكرية والسياسية المصرية الحاجة إلى حزب من "لون مختلف" يتصدر دعوات الإصلاح السياسي والاقتصادي، ويقدم خطابا لا يتصادم مع التوجهات الإقليمية والدولية في اللحظة الراهنة ويعمل تحت مظلته قطاع كبير من الباحثين عن العمل السياسي دون الالتزام بقواعد أيديولوجية صارمة، لكن يبدو أن سقف هذا الخطاب تجاوز الخطوط التي رسمتها الحكومة المصرية للتعامل مع قضية الإصلاحات السياسية في المرحلة الحالية.
 
فلم يكتف أيمن نور بما أعلنه الرئيس حسني مبارك من تغييرات تشمل المادة 76 من الدستور لتكون انتخابات الرئاسة القادمة ضمن أكثر من مرشح، وإنما دعا صراحة إلى "ضرورة الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية نفسه"، وضمن ذلك في الوثيقة الأساسية لبرنامج حزب الغد الذي يرأسه.
 
وقال نور صراحة في البرنامج المذكور إنه "تجب إعادة النظر في المادة 85 من الدستور التي تنص على أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسيا أمام مجلس الشعب، وأنه لا تجوز محاكمته إلا في حالة الخيانة العظمى وارتكاب جريمة جنائية".
 
الدعوة "الآن" إلى الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية استفزت النظام السياسي المصري برمته ويبدو أنها كانت أحد الدوافع وراء قراره برفع الحصانة عن نور ومحاولة إيصال رسالة له وللمعارضة تعيد تذكيرهم "بحكمة" المثل العربي القديم الذي يقول بأن لكل مقام مقالا ولكل وقت آذانا.
 
تحملت الحكومة المصرية الضغوط الأميركية لوقت حسبته هي بدقة، وتحملت انتقادات الإدارة الأميركية بأن ما حدث مع نور يمثل كما جاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية ريتشارد باوتشر "تراجعا ويطرح شكوكا حول رغبة أحد أقرب حلفائها في الشرق الأوسط اعتماد العملية الديمقراطية".
 
بالأمس أفرجت الحكومة المصرية عن نور بكفالة، وأبقت سيف الملاحقة القضائية مشهرا في وجه تحركاته السياسية ورغبته في الترشح أمام الرئيس مبارك في انتخابات الرئاسة القادمة، وظلت في الوقت نفسه آثار الحملة الإعلامية التي صاحبت حبسه ولاسيما تلك التهمة التي لاقت رواجا بأنه "رجل أميركا ووجهها الجديد في مصر" وهي تهمة كفيلة بحرق ورقة الرجل الذي تنتظره حياة سياسية حافلة، وكلها أمور قد تستفيد منها حاليا ومستقبلا جهات متعددة لا تقتصر على الداخل المصري فقط.


____________
المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: