صورة لأسير عراقي يتعرض للتعذيب بإحدى الطرق التي تفنن جنود أميركيون في ممارستها داخل سجن أبو غريب في العراق

المحفوظ الكرطيط

موجات الغضب والإدانة التي صاحبت مشاهد تعذيب وإهانة الأسرى العراقيين على يد قوات الاحتلال والمطالبات الدولية بإجراء تحقيقات حول ملابساتها، تشير إلى أن الأميركيين خسروا شوطا آخر في غزو العراق يتمثل في حرب الصور التي أصبحت تمثل شقا مهما في الحروب الحديثة.

فقد شجب العالم الصور التي بثتها القناة التلفزيونية الأميركية CBS قبل أيام لسجناء عراقيين في سجن أبو غريب بالعراق في أوضاع مهينة تجمع بين أقصى درجات التعذيب الجسدي وأكثر المواقف مهانة، وأردفت عليها الصحيفة البريطانية "ديلي ميرور" نشر صور لجنود بريطانيين يعذبون أسرى عراقيين.

وأمام بشاعة تلك الصور التي عرت المزاعم الأميركية حول التحولات المذهلة التي أحدثتها قوات الاحتلال في العراق، بعدما بثها شاهد من أهلها، لم يحاول قادة واشنطن حجب الشمس بالغربال أو توجيه اللوم لمسؤولي القناة الأميركية -كما جرت العادة عندما تبث بعض القنوات العربية نماذج من ممارسات الاحتلال- بل أعربوا عن امتعاضهم وأعلنوا إجراء تحقيقات جنائية في حالات الانتهاكات التي ارتكبت في حق السجناء العراقيين.

وأمام قوة تلك الصور لم يخرج وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد هذه المرة برطانته الفريدة قائلا إنه يعرف أنه لا يعرف ما لا يعرف، لكنه اعترف بأن العالم أصبح يعرف ما كان البنتاغون يعرف عن ممارسات قواته في العراق، وأن تحقيقات عدة أجريت في هذه القضية منذ بداية العام الجاري، متعهدا بالتزام الدقة والشفافية في التحقيق.

ويبدو أن الأميركيين خسروا حرب الصور منذ الأيام الأولى لغزو العراق عندما أربكتهم تصريحات وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف -التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية وحظيت بنسبة مشاهدة عالية وبمصداقية كبيرة لدى المتلقين- رغم أن الأيام أبانت أنها كانت مجرد تهيؤات حبكت بدقة متناهية للتشويش على خطط من يصفهم الصحاف بـ"العلوج".

جنود أميركيون يقومون بعملية تفتيش في وسط المدنيين العراقيين (الفرنسية-أرشيف)
صورة أميركا
وبهذه الصور المثيرة تكون صورة أميركا في العراق خاصة والعالم العربي عامة قد تلقت صفعة قوية خاصة أن واشنطن خصصت ملايين الدولارات في إطار عملية تجميل واسعة لصورتها في العالم العربي جند فيها دبلوماسيون من مستوى رفيع وخبراء كبار في علوم الاتصال.

وقد تمثلت تلك المجهودات في إطلاق إذاعة وقناة تلفزيونية موجهتين أساسا إلى بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في مقابل ذلك لا يضيع المسؤولون الأميركيون أي مناسبة لكيل ألوان النقد والسباب لبعض القنوات العربية التي كسرت النظرة الأميركية الأحادية والمريحة سياسيا في نقل مجريات الأحداث بالمنطقة، وتجلت أساسا في بدايات التسعينيات في نقل حرب الخليج الثانية التي تلت غزو الكويت.

ويبدو أن التصدع بدأ يدب في تلك الإستراتيجية التجميلية حيث إن المسؤولة عن تحسين صورة أميركا في العالم العربي والسفيرة الأميركية السابقة بالمغرب مارغرت تاتويلر -الخبيرة في استطلاعات الرأي- أعلنت قبل أيام استقالتها من منصبها مفضلة العمل في دفء بورصة نيويورك على أن تدافع عن الشيطان بترويج صورة لا توجد إلا في خيال من يؤمن بها.

عراقيون يعبرون عن حقدهم على قوات الاحتلال (الفرنسية)
عجز أميركي
لكن عجز الأميركيين في تقديم أنفسهم في أبهى صورة لدى مختلف الشرائح الاجتماعية في العالم العربي والإسلامي يعزى أساسا إلى كونهم يحملون صورة مغلوطة عن تلك الرقعة من العالم التي أصبحت في الخيال الأميركي مرادفة للنفط والإرهاب.

وكان السيميائي والكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو -أحد كبار المختصين في علم الصورة في العالم- قد عاب على الأميركيين في الأسابيع الأولى للغزو كونهم لا يعرفون الشيء الكثير عن الإنسان والثقافة العراقيين.

وكان الأميركيون في بداية حملتهم على بلاد الرافدين يراهنون على ما سموه كسب عقول وقلوب العراقيين، لكن مع توالي مشاهد إهانة وإذلال المدنيين وحملات دهم المنازل وهتك حرماتها ومشاهد الدم في مئات التفجيرات التي هزت مدنا عراقية عدة يبدو أنهم لم يكسبوا سوى مزيد من الكراهية في عدد من بلدان العالم يعز على المئات من أمثال تاتويلر تحويلها إلى حب.
____________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة