محمد عبد العاطي

أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يوم السادس من فبراير/شباط الماضي أمام صندوق الوقف القومي للديمقراطية في الولايات المتحدة مبادرة لتطوير وإصلاح الشرق الأوسط حملت اسم "مبادرة الشرق الأوسط الكبير". وبعد إعلانها وفي الشهر نفسه قدمت واشنطن نص هذه المبادرة إلى مجموعة الدول الصناعية الكبرى الثماني (ألمانيا، فرنسا، إنجلترا، اليابان، إسبانيا، إيطاليا، كندا، الولايات المتحدة) لقراءته والتعليق عليه تمهيدا لمناقشته في اجتماعها المقبل في سي آيلند بولاية جورجيا الأميركية في يونيو/حزيران القادم، على أن يسبق ذلك عرضه على قمة الأطلسي التي ستعقد في إسطنبول بتركيا في ذات الشهر.

وقد اكتسبت المبادرة أهمية وأصبحت محط الكثير من الجدل وثار بشأنها العديد من حلقات النقاش خاصة داخل دول العالم العربي التي اختلفت ردود أفعالها إزاءها ما بين رافض ومتحفظ وداع إلى التأمل فيها بعمق والأخذ بأحسن ما فيها.

المبادرة
تبلورت الملامح العامة للمبادرة في أجواء ما عرف بالحرب على ما يسمى "الإرهاب العابر للقارات" بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.


استندت المبادرة إلى فكرة أن منطقة الشرق الأوسط الملتهبة باتت "محضنا لتفريخ الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.."، مما يعني أنها أصبحت تهديدا لأمن الولايات المتحدة نفسها وعاملا مثيرا لقلق العالم "المتحضر"
واستندت في منطلقاتها الهادفة إلى حتمية إصلاح دول الشرق الأوسط بالنظر إلى أن هذه المنطقة الملتهبة من العالم باتت "محضنا لتفريخ الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية" وغير ذلك مما بات يهدد أمن الولايات المتحدة نفسها ويقلق العالم "المتحضر".

جمعت المبادرة دولا شديدة التباين والاختلاف على المستوى الثقافي والتنموي، فهي تتحدث عن شرق أوسط واحد كبير ينبغي إصلاحه يبدأ من المغرب حتى أفغانستان مرورا بإيران وباكستان إضافة إلى تركيا وإسرائيل.

وبررت المبادرة الأميركية دواعي الإصلاح "بالتخلف الشديد" الذي تعيشه دول المنطقة واستشهدت في الحديث عن مظاهر هذا التخلف بالأرقام والإحصائيات التي جاءت في تقريري التنمية الإنسانية لعامي 2002 و2003 اللذين أعدتهما مجموعة من المثقفين العرب بتمويل من الأمم المتحدة وتحدثا عن نقص الحرية والمعرفة وتمكين النساء..إلخ.

حوت المبادرة تفصيلات كثيرة لسد الفجوات السابق ذكرها، ففي مجال الديمقراطية على سبيل المثال تحدثت عن أنه "من بين سبع مناطق في العالم حصلت البلدان العربية على أدنى درجة في الحرية أواخر التسعينات". ولهذا اقترحت المبادرة "تقديم مساعدات تقنية عبر تبادل الزيارات أو الندوات لإنشاء أو تعزيز لجان انتخابية مستقلة لمراقبة الانتخابات والاستجابة للشكاوى وتسلم التقارير".

وفي مجال الفساد في بلدان الشرق الأوسط وكيفية إصلاحه تحدثت المبادرة عن ضرورة تبني مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد "الخاصة بمجموعة الدول الثماني" ومناقشة إستراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد، وتعزيز المجتمع المدني من خلال تشجيع الحكومات في المنطقة على السماح لمنظمات المجتمع المدني بالعمل بحرية، وزيادة التمويل المباشر للمنظمات المهتمة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتبادل الزيارات وإنشاء شبكات إقليمية وتمويل منظمة غير حكومية تعمل في اتجاه التوصل إلى تقويم سنوي للجهود المبذولة من أجل الإصلاح القضائي أو حرية الإعلام في المنطقة.

وفي مجال بناء مجتمع المعرفة تحدثت المبادرة عن تعزيز جهود محو الأمية وعن ترجمة المؤلفات الكلاسيكية لدى مجموعة دول الثماني في مجالات الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع وعلوم الطبيعة وإعادة نشر الكتب الكلاسيكية العربية النافدة والتبرع بها إلى المكتبات العامة وإلى المدارس والجامعات.

ودعت المبادرة إلى عقد "قمة الشرق الأوسط لإصلاح التعليم" قبل انعقاد قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى.

وفي مجال توسيع الفرص الاقتصادية تضمنت المبادرة ما أسمته بمبادرة تمويل النمو من خلال "إطلاق حرية الخدمات المالية وتوسيعها في عموم المنطقة"، وكذلك مبادرة التجارة التي ركزت على انضمام بلدان المنطقة إلى منظمة التجارة العالمية.

كما تهدف المبادرة إلى إحداث تغييرات ثقافية عميقة على عدة مستويات أهمها النظام التعليمي والخطاب الديني والمكونات القومية في تركيب الثقافة العربية. كل ذلك مع دعوات ليبرالية وإنسانية ظاهرية تتعلق بدور المرأة في الحياة العامة ودور المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني..إلخ.

المبادرة والقمة العربية بتونس


"أمر هذه المبادرة أمر عاجل ويمكن أن يتخذ فيه قرار أو موقف طبقا لما تجري عليه المناقشات في القمة العربية وتكون لذلك متابعة من قبل مجلس الوزراء للعرض على قمة الجزائر"

عمرو موسى

عرضت هذه المبادرة على الدورة الأخيرة لمجلس الجامعة العربية لمناقشتها تمهيدا لرفعها إلى مؤتمر القمة المقرر عقده في تونس. ومن المقرر كما صرح الأمين العام للجامعة عمرو موسى أن تأخذ هذه المبادرة مكانها البارز على جدول أعمال القمة، وقال "إن أمر هذه المبادرة أمر عاجل ويمكن أن يُتخذ فيه قرار أو موقف طبقا لما تجري عليه المناقشات في القمة العربية وتكون لذلك متابعة من قبل مجلس الوزراء للعرض على قمة الجزائر".

أما عن موقف الدول الأعضاء الذاهبين إلى قمة تونس فيختلف ما بين الرفض المطلق والتحفظ والقبول مع بعض التعديلات وتقديم بعض الإيضاحات.

فبالنسبة للدول الرافضة لهذه المبادرة ومن بينها مصر والسعودية وسوريا، فإنها تعتبرها تدخلا في شؤونها الداخلية وتأخذ عليها بعض المثالب منها:

  1. أنها بنت رؤيتها الإصلاحية وفقا للنموذج الأميركي في نظم الحكم والثقافة والاقتصاد.
  2. أنها لم تراع الخصوصية الثقافية والفروقات الحضارية والتفاوت على سلم التنمية البشرية بين دول الشرق الأوسط الكبير.
  3. أن هدفها هو دمج إسرائيل في المنطقة العربية والمحيط الإسلامي أكثر من الأهداف الإصلاحية المعلنة ويتضمن في الواقع العملي الاعتراف الضمني بإسرائيل.
  4. أن هذه المبادرة أغفلت دور العوامل الخارجية في ما وصلت إليه أحوال العالم العربي وبخاصة قضيتي احتلال العراق على يد القوات الأميركية وفلسطين من قبل إسرائيل.
  5. أن المبادرة الأميركية رغم استنادها إلى توصيفات تقريري التنمية الإنسانية السابق ذكرهما فإنها خالفتهما في التوصيات الختامية التي حذرت من التدخل الخارجي ودعت إلى أن يكون الإصلاح من الداخل وليس مفروضا من الخارج.

أما بعض الدول العربية الأخرى ومنها الإمارات والبحرين وقطر، فإنها دعت إلى إمعان النظر في هذه المبادرة وقراءتها بعمق وتروٍّ ومعرفة أوجه الاستفادة منها قبل الحكم برفضها.

وإزاء القلق البادي في الكثير من العواصم العربية تجاه هذه المبادرة والذي عبر عن بعض تجلياته من خلال هذه الدعوات الكثيرة في العديد من العواصم العربية الداعية إلى عمل مبادرة مضادة تأخذ بعين الاعتبار المصالح الحقيقية للعالم العربي والإسلامي وخصوصياته الحضارية، فإن مبادرة الشرق الأوسط الكبير هذه بكل تداعياتها يتوقع أن تكون أحد الموضوعات المثيرة في قمة تونس 2004.
________
الجزيرة نت

المصادر:
1- نص مبادرة الشرق الأوسط الكبير، صحيفة الحياة 13/2/2004.
2- الشرق الأوسط الكبير.. التحدي الغربي والاستجابة العربية، صلاح سالم، صحيفة الخليج 18/3/2004.
3- الشرق الأوسط الكبير والإصلاح على الطريقة الأميركية، أحمد يوسف أحمد، مجلة الهلال، عدد مايو/أيار 2004.
5- حديث المبادرة، أيمن الصياد، مجلة الكتب وجهات نظر، عدد أبريل/نيسان 2004.
6-
Greater Middle East: the US plan, by Gilbert Achcar

المصدر : الجزيرة