أحد أنواع التعذيب التي يذوقها السجناء العراقيون على يد قوات الاحتلال الأميركي

منير الجالودي- بغداد

لم تكن الصور التي عرضتها القنوات الفضائية عن ممارسات قوات الاحتلال تجاه المعتقلين العراقيين لتضيف جديدا للعراقيين إزاء الانتهاكات الأميركية في مناحي الحياة العديدة، وإنما جاءت لتوثق لهم حكايات كثيرة تروى بالتواتر عن المعتقلين المفرج عنهم من سجن أبو غريب أو الحبانية أو غيرهما، كما أنها تصب الزيت على نار يزداد أوارها يوما بعد يوم وتظهر أبرز تجلياتها في تصاعد المقاومة واشتداد عودها.

يحكي لنا عدد من المعتقلين المفرج عنهم صورا عديدة لما تعرضوا له من تعذيب وإهانة على يد قوات الاحتلال. يقول الدكتور مثنى الزوبعي -وهو أستاذ جامعي يبلغ من العمر 34 عاما- إن ما عرضته شاشات الفضائيات الأيام الماضية لا يمثل إلا جزءا من الحقيقة. ويذكر أنه فور اعتقاله وضع في حفرة وبقي فيها معصوب العينين ثلاثة أيام في البرد. ويضيف أن الجنود كانوا يقدمون له وللمعتقلين طعاما فاسدا ويجردونهم من جميع ملابسهم ويجبرونهم على قضاء حوائجهم على مرأى الجميع.

حكايات مشابهة رواها لنا معتقلون آخرون. فأحمد محمد (27 عاما) يقول إن قوات الاحتلال قيدته وغطت رأسه وأبقته واقفا أربعة أيام لا تسمح له بالنوم أو القعود أو قضاء حاجته. وفي يوم العيد الفائت تظاهر أحمد والمعتقلون داخل السجن ففتح الجنود عليهم النار فقتلوا ستة وأصابوا العشرات ومنهم أحمد الذي كشف لنا عن جسمه لنرى طلقين ناريين في كتفه وخاصرته.

وعند الإفراج عن أحمد يوم 10 أبريل/نيسان الماضي ذهب لإدارة السجن للمطالبة بأربعة ملايين دينار عراقي وسيارتين وبعض المجوهرات التي صادرها الجنود من بيته لحظة اعتقاله، لكنهم صرفوه وقالوا له بصراحة إن الجنود الذين اعتقلوك سرقوها.

صهيب الباز كان شاهدا على بعض مظاهر التعذيب داخل سجن أبو غريب (الجزيرة نت)
مصور الجزيرة
قصص أخرى يروي فصولها صهيب الباز المصور بمكتب قناة الجزيرة في بغداد، الذي اعتقل في رمضان الماضي على خلفية تصوير أحداث في ضواحي مدينة سامراء وأفرج عنه بعد 75 يوما. وعندما علموا أنه يعمل لحساب قناة الجزيرة قالوا له "إنك من الجزيرة التي تدعم الإرهاب".

يقول صهيب إن الجنود كبلوا يديه وغطوا رأسه -كما يفعلون مع المعتقلين الآخرين- ثم قادوه إلى معتقل أبو غريب وأجبروه على البقاء واقفا ثلاثة أيام متواصلة ينهالون عليه بالضرب بين الحين والآخر.

لم توجه لصهيب أي تهمة ولم يحقق معه، وكان معتادا أن يأتوا له أو لأي سجين ويجردوه من جميع ملابسه أمام زملائه وأمام مجندات أميركيات، وفي حالات عديدة كانوا يأتون بملابس نسائية داخلية ويجبرونهم على ارتدائها وهم يتضاحكون ويصورون.

نفى صهيب أن تكون عمليات التعذيب فردية أو أنها تدار من خلف إدارة السجن، وأكد أن إدارة السجن تشرف بنفسها على هذه العمليات بدليل أن بعض الجنود كانوا يتعاملون بلطف مع المعتقلين إلى أن يأتي مسؤول فيستأسدوا ويتغولوا عليه. وأكد أن تصوير حالات التعذيب كانت تتم بصورة اعتيادية لدرجة أنهم يختارون أكثر الصور تعبيرا عن الإهانة ويضعونها في الحاسوب ضمن ملف المعتقل.

أسرى عراقيون في وضعية مشينة ومهينة
صور الإهانة
تحدث صهيب عن صور كثيرة من الإهانة والتعذيب، منها أن مسؤولي السجن أجبروا أحد المعتقلين من غير المدخنين على تدخين علبتين كاملتين من السجائر وهو مكبل اليدين سيجارة إثر أخرى. ومنها أن يدلقوا على المعتقل دلوا كبيرا من الماء البارد بعد تعريته ثم يتركوا كلابهم تنهش جسده بضع دقائق. ومن هذه الصور أيضا أنهم كانوا بعد منتصف كل ليلة يأتون بمعتقل ويذيقونه صنوف التعذيب فتعلو صيحاته على مسمع من الآخرين في إطار ضغط نفسي كبير.

يحكي صهيب أن أكثر ما أثر فيه من حالات التعذيب قصة رجل وابنه الذي لم يتجاوز 14 أو 15 عاما، فقد جاؤوا بالرجل وابنه أمام زنزانة صهيب وكلاهما مغطى الوجه وعرّوهما من جميع ثيابهما، ثم أوسعوا الصبي ضربا وأفرغوا عليه دلوا من الماء البارد، وبعدها رفعوا غطاء الوجه عنهما معا فذهل الرجل لرؤية ابنه في تلك الحالة وشعر بانكسار كبير.

أما الصبي فأنزل بصره إلى الأرض خجلا من رؤية والده عاريا. وبعد قليل ساق الجنود الصبي إلى زنزانته ورموه فيها عاريا، وأبقوا الوالد على حاله واقفا ثلاثة أيام متواصلة لا يسمح له فيها بالحركة.

أغلب الذين سردوا رواياتهم أقسموا لي بأيمان غليظة على صدق ما ذكروه، ولا يبدو أنهم في حاجة إلى ذلك إذ إن الصور التي بثتها الفضائيات تؤكد أن تلك الممارسات وأكثر منها يمكن أن يقع إذا انحرفت إنسانية الإنسان. وكما يقول أحد الذين التقتهم الجزيرة نت، فليس غريبا على من يقصف بيوت المدنيين بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكا ويقتل الأطفال والنساء أن يرتكب مثل هذه الممارسات في حق المعتقلين.
______________________
موفد الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة