صمود أهالي الفلوجة أمام الاحتلال جعل للحياة معنى وللموت معنى آخر (رويترز)

محمد المختار بن الخليل- بغداد

من العادي وأنت تدخل مدينة من مدن الدنيا الواسعة أن تقرأ عبارة "ابتسم فأنت في مدينة.. " لكن الفلوجة ابتدعت لنفسها شعارا آخر وهو "ارفع رأسك فأنت في الفلوجة"، ومن العادي أن تشاهد شعارات أخرى تنوه برجالها الذين "فرضوا على الأميركيين حظر التجول".

دخلت الفلوجة مفردات الإعلام العربي من اليوم الذي رفضت فيه دخول الأميركيين عنوة وإن كانت المدينة قديمة إذ يقول لسان العرب "الفلوجةُ الأَرض المصلحةُ للزرع... ومنه سمي موضع في الفرات فلوجةَ".

سكان الفلوجة ودعوا الشهداء إبان حكم صدام ولا يزالون يودعونهم إبان الاحتلال (رويترز)
وأهل الفلوجة مشهورون بمزارعهم الخاصة وبعملهم في تجارة الأقمشة مثلما هم معروفون بالتدين والمحافظة، ويروي أحد أبنائها "أن صدام حسين قتل في ليلة واحدة عام 1992 تسعين من أبنائها وقال مخاطبا شيوخ العشائر فيها إنه لن يسمح بنمو الإسلاميين سواء كانوا سنة، أو شيعة، أو أبناء شيوخ عشائر، أو فلاحين معدمين".

هذا التاريخ في المواجهة متجذر في أهالي الفلوجة التي يسكنها قرابة 400 ألف نسمة، والحقيقة أن هذه المنطقة كباقي محافظة الأنبار ذات جذور عشائرية، وينبه الدكتور عدنان ياسين مصطفى -وهو عالم اجتماع عراقي ومحلل سياسي- في حوار مع الجزيرة نت إلى أن الاحتلال الأميركي تعامل بغباء مع المؤسسة العشائرية الضاربة بعمق في تاريخ العراق كما أنه لم يفهم طبيعة تأثير العقيدة في سلوك العراقي.

ويعزو الدكتور تصرف أهالي الفلوجة إلى "أن الثأر مؤسسة عريقة في النفسية العربية والعراقية خصوصا وبقدر ما تقتل قوات الاحتلال من العراقيين تجلب لنفسها من الحاقدين والأعداء من لا يهدأ له بال إلا بالأخذ بثأره"، ويضيف لذلك رفضهم للغريب وأنفتهم من الخضوع.

يتفق مع هذا المنطق المحلل الأميركي روبين باتي إذ يقول إن الضحايا من المدنيين العراقيين الذين سقطوا في أبريل/ نيسان من العام الماضي "قد خلقوا موجة من الثأر لا تزال متصاعدة حتى الآن.. الأميركيون يعكسون منطق المجتمع والتاريخ ولا يفهمون قيم الإنسان العراقي وثقافته".

الفلوجيون جنحوا للسلم والمحتلون أرادوا الحرب فكان للغزاة ما أرادوا (الفرنسية)
تسكن الفلوجة عشائر سنية عريقة أبرزها الجبور والجميلات والبوعلوان والمحامدة وزوبع والبوعيسى، وهي تدين بالولاء السياسي لهيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي المنبثق عن حركة الإخوان المسلمين ويوجد بها أكثر من 80 مسجدا جامعا.

لم تدخل منطقة الأنبار التي تقع فيها الفلوجة مرحلة الفوضى والسلب والنهب التي عمت مدن العراق بعد دخول القوات الأميركية بغداد قبل عام، بل بادر علماء الدين وشيوخ العشائر فملؤوا الفراغ السياسي وعينوا مسؤولين لتسيير كافة شؤون الحياة بما فيها الشرطة والشؤون البلدية.

اختار وجهاء الفلوجة أحد أبنائها وهو مهدي الكبيسي الذي استقدموه من بغداد فقبل رئاسة البلدية على أن يكون ذلك بصورة مؤقتة.

كان ضمن خطة أهل المدينة عرض خطة على الأميركان وهي السلم مقابل أن لا يدخلوا المدينة، وقبل الأميركان الأمر حسب رواية الكبيسي الذي كان شاهد عيان. لكنه يضيف في حوار مع الجزيرة نت أن المحتل قام بعد أسبوع بعرض قوة في شوارع المدينة بدوريات راجلة وتوج ذلك باستقرار 120 من جنوده في إحدى المدارس بين البيوت.

وثارت نخوة القوم فتظاهروا سلما يطالبون الأميركيين بالجلاء وفاء بعهد قطعوه على أنفسهم، ورد المحتلون –حسب رواية الكبيسي- بقصف قتل فيه ثلاثة متظاهرين. وانطلقت شرارة المقاومة فقصف مقر الأميركيين في ذلك المساء وقتل سبعة حسب رواية شهود عيان واعترف المحتلون بجرح سبعة.

السكان تعهدوا أن تكون مدينتهم مقبرة للأميركيين (الفرنسية)
ويرفض الكبيسي "مزاعم القائلين بأن تحرك المقاومة جاء على خلفية حرمان أبنائها من امتيازات عهد صدام.. فالأنبار لم تحظ في عهد البعث بغير القتل والاعتقال.. ومقاومة الفلوجة انطلقت قبل تقسيم الكعكة ومعرفة أنصبة الطوائف والقوميات في حكومة الاحتلال، فلا مجال لربطها بحظوظ من رضي عنهم الحاكم الأميركي بول بريمر".

ويمضي الكبيسي ليؤكد أن حقائق التدين والمحافظة السائدة في المدينة تجعلها عصية على أي محتل متحدية لكل غريب "ولن تنجح قوات الاحتلال في كسب المعركة إلا إذا ابتعدت عن الفلوجة وتركت أهلها يعيشون في سلام".

لا يرفض الرجل الذي استقال من رئاسة البلدية بعد ستة أشهر من استلامها التعامل مع الاحتلال لكنه يرفض التعاون معه "إذ إن الناس يحتاجون في حياتهم اليومية للتعامل مع المحتل لكن التعاون خيانة.. والمقاومة حق مشروع وقد باتت اليوم أحسن تكتيكا وأقوى تخطيطا وأكثر وعيا بما تريد".
__________________
موفد الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة