أنصار الصدر يحتفلون بإحراق مركبة أميركية في حي الشعلة (رويترز)

محمد المختار بن الخليل-بغداد

بدت حركة السير داخل مدينة بغداد اعتيادية أمس الاثنين وإن لم تخل وجوه الناس من ترقب حذر تترجمه حراسات بلبس مدني أمام الشركات والمواقع الخصوصية المهمة.

لكن ما إن يقترب السائق من مداخل حي الشعلة حتى يدرك أن للمسمى دلالة على الحي، فمروحيات الأباتشي الأميركية تحلق على علو منخفض فوق المدينة الواقعة غربي بغداد وهي ذات أغلبية شيعية من مناصري الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر.

يترجل ركاب السيارة على بعد 50 مترا حسب التوصيات الصارمة لمسؤولي مكتب الجزيرة ويتفاوض الصحفيون مع آمر من جيش الاحتلال ليسمح بالمرور لكن دون جدوى، جميع الطرق الرئيسية مغلقة والدخول للمدينة يحتاج مغامرة لا بد منها لتصل السيارة في ما بعد إلى طرق فرعية وعرة تلج منها المدينة المحاصرة، هكذا يصف الوضع أغلب الصحفيين الذين دخلوا المدينة.

مقتدى الصدر (الفرنسية)

لا يحتاج الأمر لكبير تفرس حتى تدرك حجم المعاناة التي تطحن الناس في هذه المدينة ذات الأغلبية الفقيرة شأن معظم أتباع مقتدى الصدر، فالذعر باد على مختلف الخارجين من المدينة والمستشفيات تستقبل الجرحى والمحلات تسد أبوابها والعجائز يندبن الجرحى والقتلى والممتلكات والمنازل التي حطمها قصف الأباتشي.

والبعض يحاول الخروج من المدينة هربا من قصف الأباتشي العشوائي الذي تحدث أتباع الصدر عن إصابته لعشرات المدنيين.

المتحدث باسم قوات الاحتلال الجنرال مارك كيمينت لم ينكر تماما القصف وزعم أنه جاء ردا على رصاصات استهدفت الأباتشي لكن لا يهم إن كان مدنيون تضرروا من ذلك فالمهم حماية راحة الجندي الأميركي حتى وهو يحلق في الفضاء فوق أناس لا يمتلكون غير أسلحة خفيفة باعتراف الجنرال.

انصبت حمم الأباتشي على المعتصمين في مكتب الصدر بمدينة الشعلة وسقط الجرحى وتدافع الناس للخروج لتنجح قوات الاحتلال في اقتحام المكتب.

على الطرف الآخر في الشمال الشرقي للمدينة حيث مدينة الصدر التي كانت تعرف قبل الاحتلال بمدينة صدام يتكرر المشهد نفسه، الطرق الرئيسية مغلقة والأباتشي تتهادى منذرة بسحب القذائف وحمم الصواريخ والجنود الأميركيون متوترون ومتهيؤون للأوامر والمجنزرات تسد الأفق متهيئة لمعركة فاصلة على ما يبدو.

قوات الاحتلال لم تنجح أمس الأول في اقتحام مكتب الصدر بالمدينة لكنها في ما يبدو مصرة على ذلك والجميع في ترقب تعبر عن حدته خوذات ومدرعات جنود الاحتلال وحماس واندفاع أنصار مقتدى الصدر.

وبين المدينتين تربط مدينة الحرية التي لم تسلم هي الأخرى من الاحتجاجات ومن رد فعل الاحتلال الانتقامي.

وارد الأخبار من المحافظات لا يقل حدة وذعرا عما تعيشه بغداد، فأنصار الصدر سيطروا على مراكز الشرطة ودوائر الدولة في البصرة –ثانية كبرى مدن العراق- وفي النجف والكوفة وكربلاء والناصرية والكوت والمسيب.

التصعيد الأميركي جاء على لسان الجنرال كيمينت عندما قال إن مقتدى الصدر مطلوب للعدالة في جريمة قتل وهو تصريح يقطع خطوط الاتصال بين الطرفين.

الفلوجة حصار ومناصرة
هل كان من الصدف حصار الفلوجة السنية ومدن شيعية في الوقت نفسه؟ درج الاحتلال من أول يوم على وصم المقاومة العسكرية لوجوده بسمة طائفية وأطلق على أكثرية المناطق التي انطلقت منها اسم المثلث السني.

لكن حصار مدينة الصدر بين أن مدى المقاومة يتسع وأن اقتصارها على السنة بات فرية لا تصمد أمام حقائق الأشياء.

لا يفلت شيء من الحصار المطبق على الفلوجة التي يسكنها حوالي 500 ألف نسمة حتى الجرحى لم يسمح بنقلهم لمستشفيات خارج المدينة، القادمون إلى المدينة ممنوعون الصحافة محظورة وكسابقاتها يحتاج دخولها إلى مغامرات.

الطبيعة السهلية تساعد السيارات العابرة على الدخول للمدينة، الجو مشحون والأهالي صامدون رغم القصف العشوائي الذي تقوم به المروحيات الأميركية التي قصفت بيوتا سكنية لم ينكر الناطقون باسم الاحتلال استهدافها ولا يحتاجون تبريرا لأنهم مسؤولون لا يسألون.

إحدى الكتائب المقاتلة في المدينة أصدرت بيانا تعلن فيه مناصرة أنصار مقتدى الصدر، والأمر نفسه أعلن عنه أتباع مقتدى أمس الأول حين قالوا "بلغوا أهالي الفلوجة أنهم لم يعودوا في الميدان وحدهم".

أثناء كتابة هذا التقرير تواردت الأخبار للمكتب عن مواجهات مسلحة بين مقاومين وقوات الاحتلال في حي الأعظمية السني العريق بالعاصمة بغداد.

معطيات الاثنين الناري في العراق تشير إلى حقيقة واحدة هي أن أنصار الصدر وبالتالي القطاع الشعبي العريض من الشيعة باتت في صف مواجهة الاحتلال قتالا ومواجهة وأن المثلث السني قد تحول إلى مستطيل عراقي يستعصي على المحتل وعلى الفتنة الطائفية.
______________
موفد الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة