غسان حسنين

يبدو أن الولايات المتحدة أدركت خطورة المستنقع الذي وقعت فيه بالعراق, وأصبحت على وشك الاعتراف بعجزها عن حفظ الأمن والنظام, وهو ما أكدته الخسائر التي تكبدتها في الآونة الأخيرة.

التردي الذي آلت إليه الأوضاع بالعراق دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في سياسة اجتثاث حزب البعث التي أنشأها مجلس الحكم الانتقالي العراقي بالتنسيق مع الاحتلال في بداية يناير/كانون الثاني المنصرم وتسببت في طرد عشرات الآلاف من وظائفهم.

وأعلن الحاكم الأميركي في العراق بول بريمر أنه سيتم استدعاء ضباط كبار سابقين في الجيش العراقي المنحل للمساعدة في إعادة بناء هيكلية الجيش الجديد في غضون الأشهر المقبلة, فضلا عن إعادة آلاف المدرسين والمئات من أساتذة الجامعات من أعضاء حزب البعث.

كما خفف قادة الجيش من حدة الحديث عن الأعضاء السابقين في حزب البعث. فقد صرح رئيس الأركان المشتركة في العراق الجنرال ريتشارد مايرز بأن التخفيف على أعضاء من حزب البعث التابع للرئيس السابق صدام حسين ضروري لإعطائهم شعورا بأنهم جزء من العراق.

أثار هذا التحول مخاوف لدى بعض السياسيين الذين أصبحوا يخشون أن يحصل أعضاء الحزب على مكاسب سياسية أكبر, كما عبر رئيس حزب المؤتمر الوطني أحمد الجلبي عن استيائه بوصف هذه الخطوة بأنها تشبه "إعادة النازيين إلى الحكم في ألمانيا".

ولا شك أن عمليات المقاومة التي عمت العراق مؤخرا لعبت دورا كبيرا في هذا التحول فقد كشفت الحقائق على الأرض مدى عجز الجيش الأميركي عن ضبط الأمن بالشكل المطلوب بعد أن فشل في خيار الضرب بيد من حديد.

فالفراغ الذي ستتركه قوات التحالف التي قررت الانسحاب تباعا من العراق ومنها إسبانيا والهندوراس والبرتغال وغيرها من الدول التي تدرس هذه المسألة زاد من أعباء الجيش الأميركي في حفظ الأمن.

وتبع ذلك إعلان بعض الشركات الأجنبية العاملة في العراق ومنها شركات مثل سيمينز الألمانية سحب موظفيها من العراق كما فعلت روسيا لحين توفر الاستقرار في المنطقة مما سيؤخر عملية إعادة الإعمار.

وقد أجبر ذلك الإدارة الأميركية على أن تمدد خدمة نحو 20 ألف جندي أميركي في العراق وسط مطالبات من قبل قادة قوات الاحتلال من الإدارة الأميركية بالمزيد من من القوات الإضافية والأموال لضمان الحفاظ على الأمن.

كل هذه الأسباب دفعت الحاكم المدني في العراق بول بريمر إلى تغيير سياسته في محاولة يائسة لوقف مسلسل العنف والحد من انتشاره وتصحيح متأخر للأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق.

فقد رأى الكثير من المراقبين أن سياسة اجتثاث البعث المتشددة تجاه أعضاء البعث في الجيش العراقي شكلت خطأ كبيرا, كما أن طرد عدد كبير من أفضل الخبرات العسكرية والاستخبارية في البلاد ساعد في تشكيل نواة مقاومة كلفت الاحتلال الكثير من الأرواح.

الأحداث الأخيرة أثبتت فشل قوات الاحتلال في تشكيل جيش عراقي قادر على حفظ الأمن في العراق وهو ما عبر عنه قائد القيادة الوسطى الأميركية الجنرال جون أبي زيد قائلا بأنه أصيب بخيبة أمل من تصرف قوات الأمن العراقية.

وتتمثل خيبة الأمل في انضمام بعض رجال الشرطة العراقية إلى جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر فيما رفضت الكتيبة الـ36 من الجيش العراقي الجديد مشاركة قوات الاحتلال في عملياتها العسكرية في الفلوجة.

فهل ينجح الاحتلال في إعادة قادة البعث السابقين في تشكيل جيش عراقي قادر على الإمساك بزمام الأمور في العراق مع اقتراب موعد نقل السلطة للعراقيين؟
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة