المنابر الدينية تملأ الفراغ السياسي (الجزيرة نت)

أحمد فاروق- بغداد

في ظل غياب منابر سياسية حقيقية أو نشاط نيابي ومع استمرار الأوضاع المتدهورة من تصعيد للاحتلال ضد الشعب العراقي، ومع تعاظم دور رجال الدين من سنة وشيعة في مسار الأحداث على الأرض، تحولت المساجد العراقية إلى ما يمكن اعتباره تجمعات شعبية سياسية.

ففي بغداد والنجف وكربلاء والكوفة أصبحت صلاة الجمعة شبيهة بمؤتمر حزبي موسع فكاميرات الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء وشبكات التلفزة تنتشر في داخل المساجد التي تخضع لحراسة مسلحة مشددة تشمل تفتيش السيارات وأي شخص يشتبه فيه تماما كما يجري في مقار الحكومات والبرلمانات. وليتحول خطيب الجمعة إلى مسؤول كبير تحرص وسائل الإعلام على نقل تصريحاته.

الوضع يفرض على خطيب الجمعة أن يخاطب هموم ومشاعر العراقيين والهموم حاليا تتجه للفلوجة والنجف وممارسات الاحتلال وغياب الأمن ووعود نقل السلطة، ولذلك لم يكن غريبا على إمام مسجد 14 رمضان في ساحة الفردوس أن يهاجم في إحدى خطب الجمعة سياسات الرئيس الأميركي جورج بوش ويصفه بالأرعن، ويعلن رفضه للحرية الملطخة بدماء العراقيين مما جعله عرضة للاحتجاز والاستجواب من قبل الأميركيين.

مسجد أم القرى أحد المساجد الكبرى في بغداد خرج فيه الخطيب أحمد عبد الغفور السامرائي عن نص التعاطف الديني مع أهالي الفلوجة ليوجه رسالة تحذير واضحة للأميركيين بالتراجع عن أي خيار عسكري في المدينة لأنه سيعني تحول جميع أنحاء العراق إلى فلوجة أخرى على حد تعبيره.

الشيخ أحمد عبد الغفور السامرائي يحذر الاحتلال من مهاجمة الفلوجة (الجزيرة نت)
الخطب الملتهبة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر في الكوفة والنجف وكربلاء على مدى الشهور الماضية كانت تعكس مواقفه بشأن الاحتلال وكان آخرها تهديده في الكوفة بعمليات انتحارية ضد الاحتلال.

كما أن خطب عبد الهادي الدراجي مسؤول مكتب الشهيد الصدر بالرصافة في مدينة الصدر تعكس أيضا مواقف المرجعية من الوضع السياسي، وكان آخرها خطبة تحث على الوحدة الوطنية بين السنة والشيعة في مواجهة الاحتلال وتطالب المحتل بإطلاق سراح المعتقلين. وينطبق ذلك أيضا على خطب مساعدي المرجع الأعلى آية الله العظمى السيستاني في مدن الجنوب التي توضح مواقفه من الأوضاع الحالية في البلاد.

د محمد بشار الفيضي الناطق باسم هيئة علماء المسلمين يرجع هذه الظاهرة إلى حالة الفراغ السياسي والاجتماعي والمؤسسي الذي يعانيه العراقيون منذ احتلال عاصمتهم في 9 أبريل/نيسان وما تبعه من سقوط دولة بأكملها من الرئيس إلى أصغر موظف، ومن الطبيعي -كما صرح للجزيرة نت- أن يلجأ المواطنون في هذه الحالة إلى علماء الدين.

ويضرب الفيضي مثالا بهيئة علماء المسلمين مؤكدا أنها بدأت بنشاط ديني واجتماعي ولكن تطورات الأوضاع وغياب المعارضة الحقيقية للاحتلال فرض على قيادات الهيئة التحول للسياسة كما يمارسها رجالها المحترفون مشيرا إلى دور الهيئة في مفاوضات الفلوجة.

علماء الدين أصبحوا هم الواجهة السياسية وقد تفرض تطورات الأوضاع أن تتحول جهة مثل هيئة علماء المسلمين إلى تنظيم سياسي، وهو ما لا يستبعده الناطق باسمها، مؤكدا رغم ذلك أن الساحة العراقية بحاجة إلى دور حقيقي لسياسيين محترفين ليعود رجال الدين إلى ممارسة مهامهم الأساسية.

ويبدو أن المرجعيات الدينية عوضت نوعا ما غياب الأحزاب السياسية، ولكن مازال العراقيون يعانون بحسب توقعات المراقبين من غموض الوضع السياسي وغياب الأنشطة الفاعلة للتنظيمات والأطياف السياسية التي تؤهلهم لممارسات فاعلة تثمل انطلاقة صحيحة للاضطلاع بدورهم وتقرير مصيرهم.
____________________
موفد الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة