مهيوب خضر-إسلام آباد

تشتهر باكستان بكثرة مساجدها التي تعتبر رمزا عند الباكستانيين على الهوية الإسلامية التي يعتزون بها كما كانت دافعا محرضا لهم للانفصال عن الهند الهندوسية عام 1947.

لكن هذه المساجد لا تأخذ شكلا واحدا في الطابع والبناء، إذ تتفاوت كثيرا في مدى الصنعة والزخرفة. وفي بعض الأحيان يعود هذا التفاوت إلى الجهة التي تقف وراء بنائها.

فإذا دخلت مسجدا للطائفة البريلوية أول ما يلفت انتباهك مدى الزخرفة التي تزين محراب هذا المسجد وكأنه قطعة فنية نادرة جهد البناؤون على وضع جميع خبرتهم لإخراجها بالوضع اللائق بما تتضمنه من زجاجيات ومرايا وأحجار كريمة.

وتشمل زخرفة المحاريب أيضا رسم بعض آيات القرآن الكريم بأحجار الرخام المختلفة الألوان والتي تتوفر في مناطق شمال باكستان مثل غلغت وغلاس وغيرهما, وهو ما يعطي المحراب جاذبية خاصة تدفع الناظر إلى التحديق فيه حتى أثناء أداء الصلاة.

واللافت أن زخرفة محراب المسجد يلتزم بها القاصي والداني من أتباع هذه الطائفة حتى في القرى النائية التي تبدو فيها ملامح الفقر واضحة على وجوه الناس, وهو الأمر الذي جعل من المحراب علامة فارقة يمكن من خلالها الحكم على الجهة التي يتبع لها المسجد دون الحاجة إلى السؤال, ولا سيما أن بقية الطوائف الدينية مثل الديوبندية والسلفية لا تنشغل بمثل هذه الأمور.

ومع شيء من التفكير يقترب المرء من الجزم بأن ثمة ثقافة أو مبدأ أو حتى عقيدة قد تكون هي دافع البريلوية لتزيين محاريب مساجدهم على هذا النحو.

وهذا الأمر سألنا عنه اثنين من علماء هذه الطائفة وهما الشيخ حسين شاه والشيخ أحمد خان, وقد أفادا للجزيرة نت بإجابات تكاد تكون متطابقة, إذ أكدا أنهم يعتقدون أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم موجود في كل مكان ويحضر معهم الصلوات الخمس وأنه يتفقد المسجد من الداخل والخارج, وانطلاقا من هذه العقيدة فإنهم يغالون في زخرفة المحراب احتراما لحضور النبي وحبا له.

ويأسف أتباع الطائفة لقلة اهتمام المسلمين عموما بزخرفة بيوت الله في مقابل اهتامهم بزخرفة وتزيين منازلهم, ويرون أن مثل هذا السلوك لا يتماشى مع تعظيم ذات الرسول.

ويقر أئمة البريلوية بعدم وجود دليل وارد عن النبي أو في القرآن يستندون إليه في فعلهم هذا، لكنهم يعزون ما يعتقدون به إلى أقوال زعماء الطائفة القدامى وعلى رأسهم مؤسس الطائفة أحمد رضا خان تقي (1865-1921).

وتعتبر ظاهرة الغلو في تقديس ذات النبي أحد أهم اعتقادات الطائفة البريلوية التي نشأت في الهند ثم امتدت إلى باكستان وبنغلاديش, حتى إن أسماء المساجد عندهم تؤخذ من مسمى مصطلح النور ومرادفاته المختلفة مثل القمر والضياء والبدر والمنار والهداية والشمع وغيرها، وذلك لأنهم يرمزون للنبي محمد بأنه نور الله ويعتقدون أن الله خلقه من نور وليس من طين.

ويثار حول توقيت نشأة البريلوية إبان الاستعمار البريطاني للهند جدلا واسعا إزاء مصداقيتها لا سيما وأن مجموعة من مبادئها بعيدة كل البعد عن عقيدة أهل السنة والجماعة ومنها الاعتقاد بأن الرسول والأولياء لهم قدرة على التحكم في الكون, وأن النبي محمد يعلم الغيب, كما يبالغ البريلويون بتشييد القبور وينذرون لها النذور, ويقولون بالإسقاط وهي صدقة تدفع عن الميت عوضا عما تركه من الصلاة, فيما يعتبر المولد النبوي عيدهم الأكبر, وقد بلغت البريلوية من الانتشار مبلغا حتى لا تكاد قرية أو مدينة في باكستان تخلو من أتباعها.

المهندس خوشتاب علي أوضح في حديث مع الجزيرة نت أن الأحجار التي يستخدمها البريلوية في زخرفة محاريب مساجدهم هي من أغلى الأنواع الموجودة في السوق, وأضاف أن جل التكلفة يذهب لصالح خبراء الزخرفة المحليين الذين يقومون بعمل دقيق تتجاوز مدته شهورا عديدة. وبينما يبلغ معدل تكلفة المسجد المتوسط الحجم في باكستان 14 ألف دولار أميركي, تصل تكلفة زخرفة المحراب وأجزاء أخرى من المسجد إلى أكثر من 35  ألف دولار, أي قرابة ثلاثة أضعاف تكلفة بناء المسجد.

ومن المثير للدهشة أن عملية جمع التبرعات الخاصة بزخرفة محراب المسجد قد تستمر سنوات طويلة يطوف خلالها أبناء الطائفة داخل وخارج باكستان لجمع المبلغ المطلوب.
ـــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة