مكتب وكالة رويترز في بغداد أثناء القصف الأميركي له العام الماضي

محمد عبد العاطي

الحديث عن خطورة العمل الصحفي في العراق ليس مستغربا، فالبلد بلا قانون ولا حكومة شرعية، وحياة الإنسان فيها مهددة في كل لحظة، ويكفي للقضاء عليها رصاصة واحدة ثم يقيد الحادث ضد مجهول. لكن ما يستغرب هو أن يكون مبعث هذه الخطورة هو قوات الاحتلال الأميركي نفسها التي جاءت كما تقول لنشر الديمقراطية في العراق.

رخصة عمل أميركية
فحتى الأسبوع الماضي فقط كان من حق كل صحفي دخول العراق وبدء عمله دون أخذ أي رخصة أو إذن أو تسجيل لدى الجانب الأميركي، لكن الأمر الآن تغير، فقد طلبت القوات الأميركية من الصحفيين سواء المقيمين بالفعل في العراق أو القادمين الجدد أن يسجل كل منهم بياناته لديهم، وأن يحصل بعد ذلك على بطاقة للعمل الصحفي من عندهم.


اشتراط الحصول على رخصة أميركية للصحفيين من شأنه أن يضع قيودا على وسائل الإعلام في المستقبل المنظور، حيث لا يضمنون أن لا يأتي اليوم الذي تمنع فيه قوات الاحتلال منح تصريح العمل لهذه المؤسسة الإعلامية أو تلك بناء على مدى رضاها أو سخطها على تغطيتها لأوضاع العراق

هذا المطلب من شأنه كما يقول صحفيون أجانب في بغداد أن يضع قيودا على وسائل الإعلام في المستقبل المنظور، حيث لا يضمن هؤلاء الصحفيون -كما يقولون- أن لا يأتي اليوم الذي يرفض فيه الأميركيون منح تصريح العمل لهذه المؤسسة الإعلامية أو تلك بناء على مدى رضاها أو سخطها على تغطيتها لأوضاع العراق.

كذلك من شأن هذا الإجراء أن يضع رقابة ذاتية داخلية على الصحفي أثناء عمله الميداني خوفا من المساءلة الأميركية له، لاسيما وهو واقع في قبضتها الأمنية في كل مكان داخل العراق.

ويعزز هذه المخاوف نمط التعامل الذي اشتكت منه بعض وسائل الإعلام في العراق غير المرضي عنها أميركيا، والذي يتدرج –كما يقول العاملون في هذه المؤسسات الإعلامية- من منح فرص تغطيات إعلامية مميزة لبعض الوسائل دون أخرى، مرورا بالتوقيف والتفتيش المصحوب بالمضايقات ثم اعتقال البعض منهم في زنزانات انفرادية، وانتهاء بأقصى درجات العنف الذي يصل حد القتل.

حجب الفرص
فقد لوحظ أن قوات الاحتلال وقبل القيام بمداهمات لمنازل بعض رجال المقاومة، تصطحب معها مؤسسات بعينها مثل فوكس نيوز وسي إن إن، وأحيانا رويترز وبي بي سي وحجب هذه الفرص عن مؤسسات إعلامية أخرى مثل الجزيرة وأبو ظبي.

نقلنا ذلك للفريق الأميركي المكلف بالتنسيق مع وسائل الإعلام في العراق، فقال "إن ذلك صحيح، لكن مرجعه يعود إلى أن الوسائل التي ذكرتها سوف تكتب أثناء تغطيتها أن هذه المداهمة تتم للقبض على (إرهابيين) يمثلون خطرا على أمن قوات (التحالف)، أماالأخرى فسوف تكتب أن هذه مداهمات (للمقاومة) العراقية ضد قوات (الاحتلال)، وبالتالي فإن تغطيتكم لن تكون نزيهة من وجهة النظر الأميركية".

توقيف وتفتيش
أما التفتيش المصحوب أحيانا بالسباب فمن الشكاوى التي جاءت على ألسنة اثنين من العاملين في فضائية مشهورة
-طلبا عدم الكشف عن اسميهما تجنبا لمزيد من المشكلات - فقد ذكرا أنهما تعرضا كثيرا لمثل هذه الأمور، وآخرها الأسبوع الماضي بسامراء حيث أوقفهما جنود الاحتلال وبعد التفتيش قالوا لهما "إنكم تقولون لمشاهديكم إن الأميركان سوف يبقون هنا وإنهم جاؤوا للسيطرة على نفط العراق أولا ثم نفط السعودية وإيران ثانيا وضرب سوريا بعد ذلك".

وحينما ردا بالنفي سخر منهما قائد الدورية الأميركية قائلا "على العموم نحن لن نخرج من هنا إلا إذا شاب هذا الشعر" مشيرا إلى شعره الأسود تحت الخوذة التي يرتديها.

الاعتقال دون ذنب
ثم تأتي عمليات الاعتقال دون سند قانوني لتمثل عائقا وهاجسا آخرا أمام الصحفيين في العراق، حيث يوضعون
في زنزانات انفرادية ويعانون نفسيا وبدنيا كما ذكر صحفي تعرض لهذه التجربة.

مراسل الجزيرة في بغداد الشهيد طارق أيوب

القتل العمد
وتجيء حوادث القتل لتمثل أقصى درجات الخطورة والهاجس الأكبر للصحفيين العاملين في العراق. فعلى مدى العام المنصرم وكما تقول منظمة "صحفيون بلا حدود" قتل في العراق 10 صحفيين كلهم أجانب باستثناء عراقي واحد، بعض هؤلاء قتل بطريقة غير مباشرة أثناء سير المعارك والبعض الآخر قتل بعد القصف العمد لمكاتبهم الإعلامية مثل ما حدث في مكتبي قناتي أبو ظبي والجزيرة التي قتل من صحفييها طارق أيوب الذي مثل مقتله
رسالة أميركية لا يزال يقرأ دلالاتها أولئك الصحفيون العاملون أو المتوجهون إلى العراق.
_________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة