محمد داود

لا بد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون يشعر بفخر ورضى عن قتل مسن فلسطيني مقعد وتسعة آخرين كانوا برفقته أثناء مغادرتهم مسجدا في غزة فجر اليوم، فشارون الذي يفضل الظهور بمظهر القائد القاسي مع أعدائه ظل حتى اللحظة الأخيرة يعتقد أن مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين أكثر من عجوز فلسطيني يعاني الشلل وعدة أمراض.

الدموع ملأت النظرة الأخيرة للشيخ (رويترز)
فالشيخ الذي ناهز عمره السبعين عاما لم يخف أبدا حماسه الشديد لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وقاده نشاطه في صفوف الفلسطينيين إلى سجون الاحتلال مرارا عديدة وعرضه في سبتمبر/ أيلول الماضي لمحاولة اغتيال إسرائيلية فشلت لأنه قرر تغيير مكان اجتماع مع عدد من مسؤولي حركة حماس، لكنه لم يتراجع حتى اللحظة الأخيرة.

يعتقد نائب وزير الدفاع الإسرائيلي زئيف بويم أن الشيخ ياسين "كان يستحق الموت"، وحمله -كما فعلت الحكومة الإسرائيلية- على الدوام مسؤولية هجمات فدائية تعرضت لها أهداف إسرائيلية.

لكن الفلسطينيين يرون في أحمد ياسين العجوز المقعد الذي استخدمت إسرائيل مروحية متطورة أميركية الصنع وثلاثة صواريخ لقتله رمزا لإصرارهم على المقاومة والعودة مهما كان الثمن.

الرجل الذي ظهر مطلع الثمانينات عقب اعتقاله باعتباره مسؤولا عن خلية مسلحة خططت لشن هجمات ضد إسرائيل، ظل يؤمن أن المقاومة وحدها كفيلة بطرد المحتل من الأراضي الفلسطينية.

وفي آخر مقابلة له مع صحيفة السبيل الأردنية من المقرر نشرها غدا قال ياسين إن "العمل العسكري هو الذي سيجبر العدو على الرحيل عن الأراضي الفلسطينية"، وأعرب عن اعتقاده أن سياسة الاغتيالات التي تبناها شارون في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية دليل على "الإفلاس".

ولم تفلح سياسة القبضة الحديدية ولا سلسلة حملات عسكرية في وقف هجمات المقاومة الفلسطينية ضد الإسرائيليين، رغم تعهدات شارون بإعادة الفلسطينيين إلى مائدة التفاوض على ركبهم.

لم يركع الفلسطينيون على ركبهم رغم كل الدمار الذي ألحقته قبضة شارون بمناطقهم، ويبدو أن قتل الشيخ ياسين لن يرغمهم على الركوع إذ سارعت القوات الإسرائيلية لاتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع دخول فدائيين إلى إسرائيل فور اغتيال الشيخ وعدد من رفاقه.

لاختلاف الأخوة قواعد التزم بها الطرفان (رويترز - أرشيف)
يرى كثيرون في الشيخ ياسين رجلا منح القضية الفلسطينية صبغة إسلامية بعد عقود من سيطرة القوى الوطنية واليسارية على القرار الفلسطيني، إذ نجح عبر حركة حماس في إعادة تشكيل المعادلة الفلسطينية.

فالحركة التي أسسها الشيخ ياسين وعدد من نشطاء جماعة الإخوان المسلمين في غزة عام 1987 في الأيام الأولى للانتفاضة الفلسطينية التي تفجرت آنذاك نجحت في فرض نفسها على ساحة الصراع رغم سلسلة الضربات الإسرائيلية، ولم تفلح اغتيالات طالت عددا من قادتها بينهم الدكتور إبراهيم المقادمة والمهندس إسماعيل أبو شنب والمسؤول العسكري في الحركة يحيى عياش في وقف انتشارها أو الحد من التأييد الذي تتمتع به في صفوف الفلسطينيين.

ربما لا يشارك الكثير من المراقبين شارون ثقته بأن اغتيال ياسين قادر على خلخلة صفوف الحركة الفلسطينية، فالرجل الذي اختفى خلف القضبان الإسرائيلية في الفترة بين عامي 1989 وحتى إطلاق سراحه ضمن صفقة مع العاهل الأردني السابق الملك حسين عام 1997 ظل يلهب حماس الفلسطينيين، وربما لا يكون الموت قادرا على انتزاعه
من قلوب الشبان الفلسطينيين.
___________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة