مداهمات واعتقالات قوات الاحتلال للعراقيين تجري دون رقيب (الفرنسية)

رانيا الزعبي-بغداد

بالرغم من أنه لم يمر عام على سقوط العراق تحت الاحتلال فإن حجم وفظاعة الانتهاكات الإنسانية التي ارتكبها المحتل الأميركي لا تتناسب وبكل المقاييس مع المدة الزمنية التي مضت على وجوده هناك.

أم حيدر سيدة عراقية فقدت معظم عائلتها برصاص أميركي "خاطئ" عندما كانت هي وعائلتها داخل سيارتهم ذات مساء في طريق العودة من زيارة لأهلها بإحدى ضواحي بغداد، وفجأة انقطعت الكهرباء -وهو أمر اعتاده العراقيون بعد الاحتلال- بحيث غرق الشارع في ظلام دامس.

في تلك اللحظة فوجئت العائلة بوابل من الرصاص يطلق باتجاه السيارة، فأخذ رب الأسرة يصيح "عائلة عائلة.. أرجوكم توقفوا"، لكن الجنود الأميركيين الذين كانوا يتحصنون بدباباتهم استمروا في إطلاق الرصاص لمدة ربع ساعة.

وتمضي أم حيدر وهي تمسح دموعها قائلة "فجأة سقط زوجي باتجاه مقعدي ووجهه مغطى بالدماء.. لم أدرِ ماذا أفعل.. خرجت من السيارة دون أن أنظر ما حل بأبنائي الأربعة في المقعد الخلفي، وبدأت أركض وأنا حامل في شهري الأخير باتجاه منزل أسرتي لأطلب النجدة.. كانت المسافة أكثر من كيلومتر".

الطفلة العراقية بسمة بعد إصابتها برصاص الاحتلال (الفرنسية-أرشيف)
وفي اليوم التالي علمت أم حيدر أنها فقدت زوجها وابنها الطالب بكلية الصيدلة واثنتين من بناتها عمر إحداهما 16 عاما والأخرى لم تتجاوز الثامنة، وبذلك لم يبق لها سوى طفلة في الحادية عشرة من عمرها وابنها الذي كان في أحشائها.

إدارة الاحتلال الأميركي دفعت 11 ألف دولار لأم حيدر، ولكنها شددت على أن هذا المبلغ ليس تعويضا وإنما منحة أميركية لأم حيدر لمساعدتها في تدبير أمورها. وأصرت قوات الاحتلال على أن الجنود الأميركيين تصرفوا بما يمليه عليه واجبهم "ولكن عائلة أبو حيدر وضعت نفسها في المكان الخطأ والظرف الخطأ".

سجلات مركز رصد الاحتلال في بغداد تتحدث عن مئات القصص التي ذهب مدنيون عراقيون فيها ضحايا إطلاق النار العشوائي أو الرصاص الأميركي الخاطئ.

إيمان خماس
وتروي مديرة المركز إيمان خماس مأساة المواطن العراقي مسلم عزيز عيسى الذي أطلق جنود الاحتلال النار على سيارته لدى مروره أمام فرقة المشاة الثالثة الأميركية في طريق عودته من عمله إلى بيته. وبقي الجنود ينظرون إلى ضحيتهم وهو يطلب النجدة بينما النيران تلتهم سيارته.

وإمعانا في الظلم رفض جنود الاحتلال السماح لأي من العراقيين الذين تجمهروا حول السيارة بالتقدم لمساعدة الرجل الذي بداخلها. وبعد يومين تسلم شقيق الضحية كيسا به مجموعة من العظام المتفحمة كانت هي ما تبقى من جثة شقيقه.

الشارع العراقي مليء بالمآسي التي تسبب بها الأميركيون، كما أن هناك قصصا كثيرة يرويها شهود عيان عن دور جنود الاحتلال في عمليات السلب والنهب التي تعرضت لها المؤسسات العراقية، وحملات دهم المنازل والاعتقالات وما يحدث في سجن أبو غريب من ظلم وقهر وتعذيب لا يكاد يصدقه العقل، بحسب شهود العيان.

قوات الاحتلال فوق القانون (الفرنسية-أرشيف)
أميركا فوق القانون
يقول عراقيون إنهم ليس بمقدورهم الاقتصاص من أميركا قانونيا إزاء أي انتهاك ترتكبه بحقهم، فهي وقبل أن تحط أحذية جنودها على أرض العراق حصنت نفسها ضد أي مساءلة قانونية.

فقد أصدرت الأمم المتحدة وحتى قبل سقوط بغداد قرارا يحمل الرقم 1483 يعتبر الولايات المتحدة قوة احتلال في العراق، وبموجب المادة الرابعة من اتفاقية جنيف فإنه يحق للجنود الأميركيين اتخاذ أي من الإجراءات والأفعال التي يرون أنها تنسجم مع وضع الاحتلال.

وزيادة في إجراءات الحصانة أصدر الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر قرارا يمنع بموجبه توجيه أي مساءلة قانونية لأي جندي أميركي مهما ارتكب من أفعال. وعبثا يلجأ العراقيون إلى مراكز الاحتلال لتقديم شكواهم، فحياة أي عراقي لا تساوي لدى الأميركيين أكثر من 2500 دولار، وذلك في أحسن الأحوال.

ويقول المحامي العراقي حيدر الملا "في ظل هذا الوضع فإن أي محاولة لمحاسبة الأميركيين هي إضاعة للوقت"، ويتهكم زميل له قائلا "بصراحة.. حياة العراقيين الآن مرهونة بضمائر الأميركيين".
_____________
موفدة الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة