أستاذ جامعي يدرس لطلابه في وجود قوات أميركية بجامعة بغداد ( الفرنسية)

معاوية الزبير- بغداد

بعد نحو شهرين من احتلال بغداد على يد القوات الأميركية أصدر الحاكم المدني الأميركي بول بريمر قرارا يهدف إلى تصفية آثار نظام صدام حسين أطلق عليه قرار "اجتثاث البعثيين", وخص ذلك الذين يشغلون من الدرجات الأربع العليا في تنظيم حزب البعث واستهدف القرار بالدرجة الأولى المؤسستين التعليمية والعسكرية.

وأدى تطبيق هذا القرار حتى الآن إلى طرد أكثر من ألفي أستاذ جامعي ممن كانوا ينتمون إلى حزب البعث، ويمثل هذا العدد نسبة 15% من إجمالي نحو 14 ألف أستاذ جامعي بالعراق.

واعتبر هذا القرار بمثابة رصاصة الرحمة التي أجهزت على نظام التعليم العالي المنهار في العراق. فقد بدأت المعاناة الحقيقية في هذا الحقل، حسب ما أفاد وزير التعليم العالي والبحث العلمي زياد عبد الرزاق أسود في مقابلة مع الجزيرة نت، بعد حرب الكويت حيث فر عدد كبير من الأساتذة الجامعيين نتيجة الملاحقات الأمنية لمن عارضوا الغزو يضاف إلى ذلك تدهور الأوضاع الاقتصادية بعد تطبيق الحصار على العراق.

ويعيد هذا القرار إلى الأذهان بطريقة ما مغادرة نحو 500 أستاذ جامعي إلى المنفى بوسيلة أو بأخرى في حقبة التسعينيات. وهو ما أشار إليه الوزير بالقول إن نظام صدام حسين التفت لهذا النزف العلمي فأصدر أمرا رئيسيا الهدف منه سد الفجوة التي خلفتها هجرة العقول، وقضى هذا القرار بفتح المزيد من برامج الدراسات العليا، وبمنح عدد كبير من شهادات الدكتوراه لمن "لا يستحقونها" دون مراعاة للأصول الأكاديمية.

ويؤيد عميد كلية الطب في جامعة بغداد عبد الرزاق العزاوي حديث الوزير مضيفا أسبابا أخرى لنزف العقول المفكرة العراقية ومن أهمها "الحجر العلمي" حيث تعذر على أساتذة جامعات التواصل مع التطور العلمي لسبب الحصار وسياسات النظام التي كانت تمنع السفر إلى الخارج لأسباب أمنية أو اقتصادية "لكن ذلك لم يمنع من ابتداع وسائل الفرار" مما انعكس في مزيد من التدهور في مستوى التعليم الجامعي والخريجين.

استمرار النزف
ورغم أن قرار الاجتثاث لقي معارضة قوية من أهل المهنة إلا أنه وجد قبولا من بعض السياسيين، حيث عبر بعض أعضاء مجلس الحكم الانتقالي عن رضاه بالقول في حينه إنه من الأفضل والأكثر أمانا بالنسبة لمستقبل الأجيال القادمة أن تكون هناك جامعة أقل كفاءة لكنها خالية من البعثيين وأيديولوجياتهم النازية حسب وصفهم.

جنود أميركيون يقومون بمراقبة أساتذة جامعة بغداد أثناء انتخابهم لإدارة جامعية جديدة (الفرنسية - أرشيف)
وتعرض في ظل تلك الحملة عدد من أساتذة الجامعات لسلسلة من الاغتيالات على يد مجهولين استغلوا الفوضى الأمنية التي تسود العراق.

وأكد عدد من أساتذة الطب في جامعة بغداد ممن التقتهم الجزيرة نت أنهم كانوا يؤدون رسالتهم العلمية بأمانة ولم يهتموا بنقل أفكار حزب البعث إلى طلابهم لا سيما وأن معظم هؤلاء الأساتذة أجبروا على الالتحاق بالحزب لأسباب اقتصادية أو غيرها.

وتؤكد المصادر السابقة أن هجرة العقول لا تزال مستمرة حتى بعد زوال نظام صدام حسين، بل أن الأمور ازدادت سوءا "حيث كان هؤلاء العلماء يقارعون بالسابق فكرا وحيدا ولكنهم أصبحوا الآن عرضة للتصفية والعنف من قبل ألف صدام جديد" في إشارة إلى مليشيات التنظيمات والأحزاب "التي تلجأ للعنف لمواجهة الفكر والرأي السياسي".

عودة الوعي
ولكن مثلما تراجع نظام صدام حسين منتصف التسعينيات بشأن العقول العراقية، أعاد مجلس الحكم الانتقالي النظر في خطورة سياسة الاجتثاث هذه وما تسببه من خسائر جسيمة للوطن، فقرر معالجة الوضع بتشكيل لجان استئناف للمفصولين عن الخدمة. ويقول الوزير عبد الرزاق إنهم تلقوا مؤخرا نحو 1300 طلب للاستئناف يتم النظر فيها للتأكد من نظافة سجلات المتقدمين.

وتم على ضوء هذه المراجعة تخصيص مواقع في الجامعات العراقية للراغبين في العودة من بلاد المهجر، فضلا عن وضع خطط لإعادة الاعتبار للأستاذ الجامعي ومن ذلك زيادة في ميزانية العام القادم.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة