منذ أيام أنهت محكمة العدل الدولية في لاهاي جلساتها العلنية للنظر في مشروعية جدار الفصل الذي تبنيه إسرائيل لعزل الأراضي الفلسطينية بزعم أنه السبيل الأفضل للوقاية من "الإرهاب"، وفي حين قاطعت إسرائيل جلسات المحكمة إذا بها تخوض حربا إعلامية موازية وإذا بالولايات المتحدة تساندها فتحاول التأثير على رأي المحكمة بهذا الشأن بحجة ان هذا الرأي سيقوض من جهود السلام الدائرة.

حوار/ محمد السيد غنايم

فهل يمكن للمحكمة أن تتأثر بهذه المحاولات، وما تداعيات هذا الأمر إن هي استجابات للضغوط الأميركية، وهل من الناحية القانونية وفي إطار مبادئ القانون الدولي يجوز لإسرائيل بناء هذا الجدار أصلا، وما جدوى عرض هذه القضية على المحكمة طالما أن حكمها لا يتعدى كونه رأيا استشاريا.

هذه الأسئلة وغيرها توجهنا بها إلى الدكتور أحمد أبو الوفا، أستاذ القانون الدولي العام ووكيل كلية الحقوق بجامعة القاهرة، والمختص بالتعليق على أحكام وفتاوى محكمة العدل الدولية وأرائها الاستشارية بالمجلة المصرية للقانون الدولي منذ عام 1982 وحتى الآن.

بداية .. نود أن نعرف شيئا عن مسؤوليات الدولة المحتلة تجاه الأراضي التي قامت باحتلالها وفق ما أقرته مبادئ القانون الدولي العام؟

- من المعلوم وفق مبادئ القانون الدولي أن الاحتلال الحربي بطبيعته هو أمر مؤقت، بمعنى أن الدولة التي تقوم بالاحتلال يجب أن تجلو في أسرع وقت ممكن عن الأراضي المحتلة وبالتالي لا يمكن لها أن تقيم أية منشآت يراد لها الثبات والدوام، كما أن عليها أن تحافظ على ممتلكات الأفراد والممتلكات العامة التابعة للدولة المحتلة وألا تحاول تغييرها ومن ثم فإن الخروج على مثل هذه الأمور يعد خروجا على قواعد القانون الدولي واجبة التطبيق.

إلى أي مدى ينطبق هذا الأمر على مسألة جدار الفصل الذي تبنيه إسرائيل على الأراضي الفلسطينية؟ وهل يجوز لها قانونا التذرع في ذلك بمكافحة "الإرهاب"؟


فكرة إنشاء هذا الجدار يراد لها أن تستمر بطريقة مؤبدة ومن ثم فإنها من هذه الزاوية تتعارض والتزامات دولة الاحتلال في هذا الخصوص، ومهما كانت الذرائع التي تسوقها إسرائيل فإنه لا يجوز قانونا أن تقوم ببناء هذا الجدار

- بالنسبة لمسألة الجدار العازل، من الواضح أن فكرة إنشاء هذا الجدار يراد لها أن تستمر بطريقة مؤبدة ومن ثم فإنها من هذه الزاوية تتعارض والتزامات دولة الاحتلال في هذا الخصوص، ومهما كانت الذرائع التي تسوقها إسرائيل فإنه لا يجوز قانونا أن تقوم ببناء هذا الجدار، والأسباب أو الذرائع التي دفعتها إسرائيل للقيام بهذا الأمر مهما كانت فإنه معروف أنها لا تخلق حقا قانونيا يمكن الاستناد إليه للقيام بمسلك معين أو اتخاذ تصرف ما في أراض فلسطينية تحتلها.

ما هي الاعتبارات القانونية التي استند إليها الطرف الفلسطيني لعرض قضية الجدار على محكمة العدل الدولية؟

- هذه الاعتبارات واضحة، أولها أن إقامة هذا الجدار يتعارض مع قانون الاحتلال الحربي، وأنه يعد تأبيدا لاحتلال الأراضي الفلسطينية وسببا لضم مساحات أخرى تقدر بآلاف الدونمات بعضها أراض زراعية خصبة من أجل إقامة هذا الجدار، كما أن من شأن بناء الجدار تثبيت الأمر الواقع فوق أراضي محتلة، وهذا كله يتعارض والقرارات الدولية واجبة التطبيق في هذا الخصوص والصادرة عن مختلف المنظمات الدولية وخصوصا تلك الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

إسرائيل قررت مقاطعة جلسات المحكمة التي تنظر في شأن الجدار.. فهل هذا الأمر جائز من الناحية القانونية؟ وهل هناك انعكاسات قانونية يمكن أن تترتب على إسرائيل جراء هذه الخطوة؟

- مسألة الانسحاب من قضية معروضة أمام محكمة العدل الدولية هو أمر جائز لأي دولة طرف فيها، ولا يترتب عليها شيء من الناحية القانونية.. إذ لا إجبار على الدولة أن تمثل أمام المحكمة إن هي أرادت عدم المثول وسواء كان ذلك في الاختصاص القضائي للمحكمة الخاص بالمنازعات بين الدول، أو الاختصاص الإفتائي أو الاستشاري والتي تطلبها بعض المنظمات الدولية من المحكمة ومنها هذه الفتوى الأخيرة التي طلبتها الجمعية العامة بخصوص إقامة هذا الجدار.

لكن أشير إلى أنه سواء حضرت الدولة أم لم تحضر، فمادامت المحكمة مختصة بنظر المسألة المطروحة أمامها فإن كل ما يصدر عنها تكون له قوته القانونية الكاملة التي لا يمكن المنازعة فيها لمجرد أن الدولة لم تحضر أمام المحكمة.

معروف أن محكمة العدل الدولية تصدر توصيات أو فتاوى غير ملزمة، ما هي إذن من الناحية القانونية جدوى عرض قضية الجدار على المحكمة بالنسبة للفلسطينيين ؟ ولماذا أيضا القلق الإسرائيلي من الحكم لصالح الفلسطينيين طالما أنها غير ملزمة بتنفيذه؟


صحيح أن رأي المحكمة غير ملزم من الناحية القانونية، إلا أن آثاره كبيرة جدا من ناحيتين الأولى أنه صادر من أعلى جهة قضائية دولية وهي محكمة العدل الدولية والثانية أن هذا الرأي يمثل عرضا لموقف القانون الدولي من هذه المسألة وبالتالي سيثير أي شك يتواجد فيها أمام العالم

- عرض الأمر على المحكمة في هذه المسألة كان في صورة رأي استشاري طلبته الجمعية العامة منها، والرأي الاستشاري كما هو معلوم بطبيعته غير ملزم، فهو مجرد فتوى، بمعنى عرض للرأي القانوني من جانب المحكمة، لكن إذا كان من الناحية القانونية غير ملزم إلا أن آثاره كبيرة جدا من ناحيتين الأولى أنه صادر من أعلى جهة قضائية دولية وهي محكمة العدل الدولية والتي تتكون من قضاة ينتمون إلى أغلب النظم القانونية والمدنيات القانونية الموجودة في العالم كله، وبالتالي إذا ما أجمع هؤلاء على رأي معين فلا شك أن هذا الرأي يشكل صحيح القانون بالنسبة للمسألة المطروحة. والثانية، أن هذا الرأي يشكل عرضا لموقف القانوني الدولي من هذه المسألة وبالتالي سيثير أي شك قد يتواجد فيها أمام العالم، وأقصد هنا الذرائع الإسرائيلية لبناء الجدار سواء كانت فكرة منع الإرهاب أو جلب الأمن.. وبالتالي فإن قوة هذا الرأي الاستشاري تكون من هاتين الزاويتين.

أما القلق الإسرائيلي من هذا الرأي رغم عدم إلزاميته قانونا، فله مبرراته القوية.. أولها أنه لأول مرة يطلب من جهة قضائية دولية عليا هي محكمة العدل الدولية، إبداء الرأي القانوني بخصوص أمر يهم القضية الفلسطينية في مسألة معينة، هي قضية هذا الجدار. فمنذ إنشاء الدولة العبرية عام 1948 وحتى الآن كان ما يصدر بخصوص القضية الفلسطينية آراء أو قرارات صادرة عن أجهزة السياسية مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة أو حتى مجلس الأمن وبعض المنظمات الدولية الأخرى كالجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

وثانيا، فإن آراء المحكمة وإن كانت خاصة بالمسائل التي تعرض عليها إلا أنها تمثل قيمة أدبية ومعنوية كبيرة تساعد في إرساء القواعد القانونية التي يجب مراعاتها في أمور وقضايا مماثلة، وهذا الأمر يقلق إسرائيل وبعض الدول أيضا، ونحن نذكر مثلا الرأي الاستشاري الذي أصدرته المحكمة الدولية بخصوص جنوب أفريقيا عام 1971، هذا الرأي رغم أنه بقي في حدود قيمته القانونية آنذاك ورغم أنه أيضا لم يكن ملزما، لكنه من ناحية أخرى ساهم في وضع عدد من قواعد القانون الدولي التي يجب مراعاتها والاستناد إليها في الكتابات القانونية الدولية وفي القضايا المشابهة على الصعيد الدولي.

صحيح أن رأي المحكمة هنا سيكون خاصا بالمسألة التي طرحت عليها، وبالتالي سيكون أثره نسبيا وليس مطلقا تجاه كافة القضايا، لكن ممكن من خلال هذا الرأي الذي سيصدر عن المحكمة أن تتم بلورة وتأكيد العديد من القواعد العامة القابلة للتطبيق على نزاعات أخرى مماثلة.

هل يجوز التأثير سياسيا على توجهات المحكمة في القضايا التي تنظرها.. أقصد موقف بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة التي طالبت صراحة المحكمة بعدم إصدار رأي في شرعية بناء الجدار؟

لا يجوز لأية دولة أن تؤثر على المحكمة أو تمارس أي ضغوط أو حتى تلميحات سياسية لحمل المحكمة على تبني موقف دون آخر، وبالتالي على المحكمة كجهة قضائية ألا تتأثر بأية ضغوط سياسية قد تمارسها هذه الدولة أو بعض الدول الأخرى.

ومن المعلوم أن قضاة المحكمة الدولية يتعهدون قبل أن يمارسوا سلطاتهم بالحياد والاستقلال والنزاهة وعدم التأثر بأية اتجاهات سياسية قد تصل إليهم، و من ثم فهذا أمر يجب أن يكون بعيدا عن المحكمة وهذا المأمول منها وإلا فقدت مصداقيتها وهيبتها على الصعيد الدولي كمحكمة قضائية ويعتبر هذا بداية النهاية لوجودها.


لأول مرة يطلب من جهة قضائية دولية عليا هي محكمة العدل الدولية، إبداء الرأي القانوني بخصوص أمر يهم القضية الفلسطينية في مسألة معينة، وهذا لا شك أهم مبررات القلق الإسرائيلي في هذا الموضوع

وبالنسبة لما أثارته بعض الدول التي تحاول الضغط على المحكمة باتجاه معين فقد كان أمرا متوقعا حتى قبل أن تبدأ المرافعات والمذكرات المكتوبة تصل إلى المحكمة، كان من المعلوم أن هذه الحجج ستتمثل في أن المحكمة غير مختصة وأن هذه مسألة سياسية، وكان معلوما أنهم سيقولون أن عرض مسألة الجدار على المحكمة سيؤثر على مفاوضات السلام الجارية وسيؤدي ذلك إلى عدم وصول المفاوضات إلى الغاية منها، وكل هذه أمور لن تلتفت إليها المحكمة وفقا لتاريخها القضائي ولن تقيم لها أي وزن، لأن حتى بالنسبة لحجة التأثير على المفاوضات فهي حجة داحضة من ناحيتين:

  • الأولى أين هي هذه المفاوضات التي يتحدثون عنها والتي يستخدمونها كأداة لإضفاء المشروعية على أوضاع غير مشروعة هي وضع الاحتلال، كله بالمفاوضات والمفاوضات لا تثمر، إذن هذا استمرارية للاحتلال تحت ستار المفاوضات.
  • الثانية فإن المحكمة استقر رأيها في العديد من القضايا السابقة أن الوجود المتزامن لوسيلة أخرى لحل النزاع إلى جانب طرحه على المحكمة لا يمنع الأخيرة من الاستمرار في نظر الأمر المطروح أمامها والفصل فيه.

ما هو مسار الدعوى القضائية بعد انتهاء الجلسات العلنية في محكمة العدل الدولية؟

بداية.. المحكمة تتصل بالرأي الاستشاري عن طريق طلب يقدم إليها من بعض الأجهزة الدولية ومنها الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي في هذه المسألة هي التي طلبت الفتوى والرأي الاستشاري من المحكمة، عندما يصل هذا الطلب للمحكمة تتخذ بعض الإجراءات منها أن مسجل المحكمة يتلقى المذكرات المكتوبة المتعلقة بالقضية من الدول والمنظمات الدولية التي ترغب في ذلك، ويخبرها أن تتقدم بها في مواعيد محددة، وهذا ما حدث فقد تقدمت العديد من الدول العربية وغيرها بمذكرات مكتوبة وتقدمت بعض المنظمات الدولية كالجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي بمذكرات مكتوبة كذلك، بعد هذه المرحلة يمكن أن تفتح المحكمة باب المرافعة الشفوية لمن يرغب من الدول والمنظمات في أن يأتي لكي يعرض وجهة نظره باقتضاب شفاهة أمام المحكمة ، وبعد انتهاء هاتين المرحلتين المكتوبة والشفهية تنسحب المحكمة للمداولة تمهيدا لإصدار الرأي الاستشاري في جلسة علنية.

أخيرا، ما هو المدى الزمني المتوقع لصدور الحكم النهائي في قضية الجدار؟

لا يمكن التوقع بهذا الأمر تحديدا، لكن ما دامت القضية استوفت كافة جوانبها المكتوبة والشفوية ومادامت المحكمة قد قر في قرارها إصدار الفتوى في اتجاه معين فعليها في أسرع وقت أن تقوم في جلسة علنية بإصدار الفتوى أو الرأي الاستشاري في هذه القضية.
_______________
* قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت

المصدر : أسوشيتد برس