الجدار العازل.. مخطط صهيوني للضم والتوسع
آخر تحديث: 2004/2/24 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1425/1/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2004/2/24 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1425/1/4 هـ

الجدار العازل.. مخطط صهيوني للضم والتوسع

نادية أبو زاهر- خاص بالجزيرة نت

وقف أحمد وهو طفل في الثامنة من عمره بعيدا، ليتابع بعينيه البريئتين الرافعات الإسرائيلية الضخمة وهي تضع كتلا خرسانية ضخمة على مشارف مدينة القدس الشرقية، لاستكمال بناء قطاع الجدار العازل الذي باشرت بناءه قوات الاحتلال الإسرائيلية في يونيو/ حزيران 2002.

ربما لم يستوعب أحمد حقيقة ما يجري حوله من أحداث سياسية ومن حجج تدعيها إسرائيل لإقناع العالم بأن الهدف من الجدار هو الضرورة الأمنية، لكن الذي يفهمه أنه لن يستطيع أن يذهب إلى منزل صديقه غسان الذي لم يكن يبعد سوى دقيقة واحدة عن منزله.

كما أنه لن يتمكن من رؤية تلك المناظر الجميلة من سهول خضراء وجبال وأشجار اعتاد رؤيتها لكنها أصبحت الآن خلف الجدار.

فكل ما سيراه هو كتل أسمنتية ضخمة، وحتى الإعلان الإسرائيلي من أجل تغيير لون هذه الكتل لتبدو أجمل لن يغير من حقيقة الأمر، فهو لم يعد يستطيع اللعب مع صديقه كما اعتاد، إذ أصبح منزل صديقه غسان يبدو له وكأنه في الطرف الآخر من العالم.

والواقع أن أحمد هو واحد من بين 25 ألف فلسطيني يستثنيهم الجدار في القدس ممن يعيشون في الأجزاء الشمالية. علما بأن الجدار سيفصل حوالي 380 ألف فلسطيني يقطنون شرقي القدس عن بقية قرى وبلدات الضفة الشرقية.

فلسطينيون وأجانب يتظاهرون ضد الجدار (الفرنسية - أرشيف)

كابوس جديد
الأعمال الأسمنتية والحديدية الدائرة حاليا في الضفة الغربية ضمن مشروع ما يسمى بالجدار العازل باتت تشكل كابوسا حقيقيا ليس لأحمد فقط وإنما لمواطني الضفة الغربية أيضا.

وبين تقرير أعده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حقيقة هذا الكابوس، فحسب ما جاء في التقرير فإن نحو 680 ألف فلسطيني في الضفة الغربية سيتأثرون سلبا مباشرة بالجدار الفاصل، أي ما نسبته 30% من سكان الضفة الغربية.

ويبلغ طول الجدار الذي صادقت عليه الحكومة الإسرائيلية 730 كم، ويبدأ من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها في الجانبين الشرقي والغربي منها، أي معظم المساحة التي صادرتها الحكومة الإسرائيلية من مالكيها الفلسطينيين البالغة 1100 هكتار من الأراضي الفلسطينية.

وتعد هذه الأراضي من أكثر الأراضي الفلسطينية خصوبة ويقتات عليها ربع السكان المحليين، وتدر ما مجموعه 900 ألف دولار في الكيلومتر المربع الواحد، أي ضعف ما تدره الحقول الأخرى في مناطق الضفة والقطاع.

ووفق تقديرات البنك الدولي فإن الأراضي المصادرة تنتج حوالي 45% من الإنتاج الزراعي. وبذلك يكون المزارعون الفلسطينيون والأراضي الزراعية الأكثر تضررا، فحتى الأشجار لم تسلم من شر الجدار، حيث اقتلعت قوات الاحتلال حسب تقرير الأمم المتحدة حتى الآن أكثر من 102 ألف شجرة.

فالجدار الذي يمتد بطول 35 كم في القاطع الغربي و75 كم في القاطع الشرقي قد حرم المواطنين من الإفادة من 100 ألف دونم زراعي منها 24 ألفا في محافظات طولكرم وجنين وقلقيلية، علما بأن ما تم إنجازه في هذه المرحلة يبلغ 180 كم من أصل 730 كم صادقت عليها الحكومة.

وسيكون للجدار كذلك تأثير على المياه، يقول أمجد عليوي المهندس في سلطة المياه الفلسطينية إن الجدار سوف يتسبب في حجب 3% من مياه الآبار في الجانب الغربي منه عن مستهلكيها من الفلسطينيين.

وصادرت إسرائيل 36 بئرا ارتوازية من المياه الفلسطينية حتى الآن، فيما يبلغ عدد الآبار المهددة بالهدم 14 بئرا لوقوعها في المنطقة العازلة. ويؤكد عليوي أن ما ترمي إليه إسرائيل هو الاستيلاء على الأرض والماء أيضا. ويرى أن مسار الجدار مخطط لتأمين وقوع غالبية الآبار الموجودة في منطقته ضمن الجانب الإسرائيلي.

ويعترف محللون من الإسرائيليين أنفسهم بتأثير الجدار على حياة الفلسطينيين. فالمحلل في صحيفة هآرتس العبرية داني روبنشتاين قال إن هناك احتمالا في تزايد الأزمة الاقتصادية عند الفلسطينيين بعد استكمال الجدار. وأضاف إذا كانت الأزمة الاقتصادية في إسرائيل قد أدت إلى انخفاض بنسبة 10% في مستوى المعيشة فالأمر تراوح عند الفلسطينيين بين 40 و50%.

وتعتزم إسرائيل جباية ضرائب من الفلسطينيين الذين سيدخلون أراضيها عن طريق المعابر التي ستنصب في الجدار المقام حاليا بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية.

وحسب التخطيط المرتقب ستتم جباية 10 شواكل (دولاران تقريبا) من كل فلسطيني يدخل إسرائيل عن طريق المعابر، ورسوم أكبر من السيارات الخصوصية.

وتتم حاليا جباية رسوم عبور تعادل 160 شيكلا من كل شاحنة تحمل البضائع، لكن هذا الإجراء لا يشمل المشاة والسيارات الخاصة.

سجن آخر للفلسطينيين
إذا كان الفلسطينيون يعيشون داخل سجن أحاطتهم به الحواجز الإسرائيلية العسكرية والحصار الإسرائيلي، فإن في انتظارهم سجنا من نوع آخر وهو الجدار.

وذكر تقرير الأمم المتحدة أن أكثر من 274 ألف فلسطيني في 122 بلدة ومدينة سيعيشون في مناطق مغلقة بين الجدار والخط الأخضر أو في جيوب محاطة كليا بجدار. وأن حوالي 850 كم مربعا من الضفة الغربية المحتلة باستثناء القدس الشرقية أي 14.5% من مساحتها ستقع بين هذا الجدار والخط الأخضر.

ويهدد الجدار بفصل أكثر من 100 قرية وبلدة فلسطينية عن أراضيها الزراعية وعزل السكان القانطين في 71 قرية وبلدة فلسطينية عن أراضيهم الزراعية، مما سيضطر أكثر من 400 ألف فلسطيني يقيمون شرق الجدار إلى عبور بعض الحواجز للوصول إلى مزارعهم أو أماكن عملهم.

وسيؤدي الجدار إلى عزل بلدات بكاملها في الضفة الغربية عن الأسواق والخدمات الطبية والمدارس. ويبدو أن نتائج العزل عن الخدمات الطبية بدأت بالفعل، فالطفل محمد هاشم ابن السنتين من قرية راس عطية جنوب قلقيلية توفي في الثامن من هذا الشهر، عندما أصيب بحمى شديدة ولم يتمكن والداه من نقله إلى مستشفى حبلة بسبب وجود الجدار.

مشروع استيطاني
وللجدار تأثيرات خطيرة على الخارطة الديمغرافية في الأراضي الفلسطينية. ويصف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تيسير خالد هذا الجدار بكونه أخطر مراحل المشروع الاستيطاني في أراضي الضفة الغربية. حيث سيترك الجدار 236 ألف مستوطن يقيمون في 155 مستوطنة على أراضي الضفة.

ويرى مدير التعليم في المجلس الصهيوني آريه حسكين في الجدار ضرورة مهمة، لأنه حسب رأيه سيضم لإسرائيل غور الأردن وتجمعات سكانية مثل عالي وعوفرا وشيلو بل وألون موريه.

ومسار الجدار الشرقي سيتواصل جنوبا ليضم الصحراء وشمال البحر الميت وجنوب جبل الخليل وكريات أربع والتجمعات السكانية شرقي غوش عصيون. ويقول مراقبون إن الجدار وضع أساسا للاستيلاء على أكبر مساحة من أراضي الضفة الغربية، لفرض حقائق على الأرض وليس بهدف الأمن كما تدعيه إسرائيل.

وحسب تقرير الأمم المتحدة فإن 11% فقط من مسار الجدار الذي يمتد على مسافة 730 كم، يسير بمحاذاة الخط الأخضر الذي يفصل بين الضفة وإسرائيل.

ويمكن إدراك مدى الخطر الذي يمكن أن يسببه الجدار في حال الانتهاء منه كما قررته الحكومة الإسرائيلية، إذا ما تبين أن الجدار سيلتهم ما مجموعه 56% من مساحة الضفة الغربية، ويبقي 44% الباقية منها مقطعة الأوصال والأجزاء.

وسيسمح مشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الاستيطاني بمصادرة معظم أراضي الدولة الفلسطينية. ويتيح لإسرائيل إحكام السيطرة على الضفة الغربية بإقامة مستوطنات جديدة على امتداد الخط الأخضر بالإضافة إلى ضم مستوطنات إلى إسرائيل يبلغ عددها 40 مستوطنة يقطنها 350 ألف مستوطن.

رفض دولي للجدار (الفرنسية)

نقد دولي
وانتقدت العديد من الشخصيات الدولية الجدار الفاصل، واعتبر مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى الشرق الأوسط مارك أوتا الجدار يهدف إلى إرغام الفلسطينيين على الرحيل عن ديارهم بسبب اشتداد الظروف المعيشية عليهم.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان "أعرف أن الحكمة التقليدية تقول إن الأسيجة تساعد على علاقات جوار جيدة لكن ذلك إذا كنت تبني سياجا على أرضك ولا تكدر حياة جارك" وذلك في رده على تصريحات شارون بأن "الأسيجة الجيدة تساعد على بناء علاقات جوار جيدة".

وانتقدت حركة "سلام الآن" الإسرائيلية الجدار الفاصل بمساره الحالي، واعتبرته يكرس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على امتداد أجيال قادمة.

ورغم الانتقاد الدولي لإسرائيل في مسألة الجدار العازل فإنها أبدت عدم مبالاة، وأعلنت الحكومة الإسرائيلية مرارا وتكرارا عن عزمها استكمال بناء الجدار.

وحاولت إسرائيل خداع الرأي العام الأميركي فيما يتعلق بالجدار، واعترف بذلك رئيس المركز الدولي والقانون الدولي ديفد لينك، عندما ألقى محاضرة في جامعة النجاح أوائل الشهر الحالي حيث قال "إن الرأي العام الأميركي يسهل خداعه.. وخدعت أنا شخصيا بحقيقة الجدار.. ولو لم أر بنفسي الجدار لبقيت مخدوعا".

وينتظر الجميع ما ستسفر عنه محكمة العدل الدولية في لاهاي في مسألة الجدار العازل التي بدأت مرافعاتها أمس، حيث تقف إسرائيل للمرة الأولى منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية, أمام استحقاقات القانون الدولي الذي طالما انتهكت مبادئه وأعرافه بسياساتها.

وإذا كانت إسرائيل لن تتوجه إلى المحكمة، فإن ذلك لن يمنع من إظهار حقيقة ما ترتكبه من جرائم ضد الفلسطينيين، كما يتوجب على الفلسطينيين من الآن إيجاد وسائل بديلة لإسقاطه.

_________________
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة