زياد طارق-بغداد

الطريق بين الأردن وبغداد قبل الحرب (أرشيف)

يصف أبو عارف سائق السيارة التي أقلتني وزملائي من عمان إلى بغداد الطريق بين العاصمتين بأنه محفوف بالمخاطر منذ سقوط عاصمة العراق بيد قوات الاحتلال الأميركي في 9 أبريل/ نيسان 2003، وفي تهكم محزن عن لقمة عيشه هذه يقول أبو عارف إنها "لقمة مغمسة في الدم".

ولكنه لم يكن يتوقع يوما أن تكون مهنته التي دأب على ممارستها منذ الثمانينيات بهذه الخطورة.

أبو عارف الذي قتلت زوجته أمام ناظريه إبان حرب لبنان أب لثلاثة أطفال وله زوجة جديدة يبدأ يومه قبل أذان الفجر بعد أن يستلم تعليماته من شركة السفريات الأردنية التي تحدد له مكان وجود الأشخاص الذين سيقلهم إلى بغداد.

ولاحظ أبو عارف الذي نقل بسيارته جثة شهيد الجزيرة الزميل طارق أيوب إلى عمان ذلك الخوف باديا على وجهي ووجهي زميلي، وكعادته يسمع رفقاء رحلته الحكايات المسلية والنكات الظريفة لتبعد عنهم القلق من احتمال مهاجمتهم على يد قطاع الطرق المتربصين، ولتصرف أنظارهم عن طول الطريق إلى بغداد البالغ حوالي 900 كم.

أما عن أعمال السلب والنهب التي تحدث بشكل يومي بين الرمادي والفلوجة والتي لا تفرق بين من يسقطون ضحيتها نساء كانوا أم رجالا، فقال أبو عارف إنه تعود عليها وإن همه الوحيد هو أن لا يلفت أنظار الراكبين معه إليها.

وأوضح أن المهاجمين من هذا النوع ليسوا من رجال المقاومة وإنما هم من قطاع الطرق الذين يستغلون غياب الأمن وانشغال الشرطة العراقية بالهجمات التي أصبحت تقض مضجع قوات الاحتلال الأميركي.

ولعل أبشع الصور التي قال إنها لن تفارق ذاكرته طيلة حياته منظر الجنود العراقيين الممددين على قارعة الطريق في الضاحية الغربية للعاصمة عقب سقوطها.

بغداد والدهشة
بدت مشارف بغداد وزال عن وجوهنا الخوف من المجهول الذي كنا نتوقعه على أيدي قطاع الطرق، بغداد التي كنت أتوق لرؤيتها بعد أربعة أعوام من الغياب وفراق الأهل والأحبة، ومثل أغلب العراقيين الذين يحملون صورة الماضي الجميل في ذاكرتهم عن العاصمة العراقية صعقت عندما شاهدت الخراب والفوضى وغياب الخدمات.

وارتسمت علامات الدهشة والاستغراب للوجود الأميركي المكثف داخل العاصمة وعندها قال أبو عارف في حكمة المجرب إن العراق بلد حضارة وقيم وسيعود إن شاء الله إلى سابق عهده وما هذا الوجود الأميركي المكثف في عاصمة الرشيد إلا غمامة وستزول قريبا.

وبينما كانت أعيننا تنتقل بسرعة لم تفارقها الدهشة وصلنا إلى مقصدنا في بغداد، كان تعليق أبو عارف الختامي على سؤالي الأخير له إلى أين سيمضي، ماذا تتوقع من سائق اعتاد السير في طريق الأخطار، طبعا سأعود إلى الأردن وأعيد الكرة مع زبائن جدد، فمصيري أصبح مرتبط بالطريق بين بغداد وعمان.
__________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة