احتشاد الآلاف لأداء صلاة الجمعة في مدينة الصدر ببغداد (الفرنسية-أرشيف)

الجزيرة نت-بغداد

تعيش مدينة الصدر كما يسميها سكانها اليوم -بعد أن تخلت عن اسميها السابقين مدينة الثورة أو مدينة صدام لاحقا- واقعا مريرا منذ تأسيسها في الستينيات من القرن الماضي على يد الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، وذلك تلبية لحاجات طبقات مسحوقة تعيش في أوضاع تعيسة بائسة في أطراف العاصمة العراقية.

الظروف المعيشية الاقتصادية والثقافية لهذه المدينة جعلتها تصبح خلال فترة من فترات النظام السابق مرتعا خصبا للجريمة ولكثير من العمليات غير المشروعة كالتزوير والاحتيال والهروب من الخدمة العسكرية التي فرضها نظام صدام حسين على العراقيين وغيرها.

فاحتاجت هذه الأوضاع بمجملها إلى صحوة دينية قوية في هذه المدينة بالذات وللشيعة في العراق بشكل عام، جسدها آية الله محمد محمد صادق الصدر والد الزعيم الحالي للتيار الصدري مقتدى الصدر، كذلك أدى عدم تدخل الحوزة العلمية المحافظة بشكل مباشر لمعالجة الأوضاع في البلاد خوفا من بطش نظام صدام حسين إلى بحث العراقيين الشيعة خاصة أهالي مدينة الصدر عن رمز ديني يلتفون حوله.

وخلال عامين من إعلان محمد محمد صادق الصدر دعوته لإصلاح المجتمع، وتصحيح الحالة الأخلاقية والدينية فيه وانتقاده -ولو بشكل غير مباشر- للأوضاع العامة في العراق وإعلانه تأسيس الحوزة الناطقة، تمكن من الحصول على شعبية كبيرة ونجاح في اجتذاب الجماهير التي كانت متعطشة لظهوره على الساحة.

وبعد مقتل محمد محمد صادق الصدر وولديه في حادثة وجهت أصابع الاتهام فيها إلى النظام السابق، انكمش الخط الصدري وتعرض العديد من رموزه للاضطهاد خاصة في مدينة الصدر.

وبعد سقوط بغداد استحوذ أتباع الخط الصدري على المرافق الرئيسية ضمن حدود مدينة صدام وأطلقوا عليها تسمية "مدينة الصدر"، ورفعوا صور قائدهم الجديد مقتدى الصدر بشكل علني.

وبدأ العديد من حملات التطهير لرموز النظام السابق وكذلك ما اعتبره الصدريون فسادا أخلاقيا، وأعادوا صلاة الجمعة التي ألغيت بعد مقتل الصدر الأب، وباشروا حملة لتنظيف المدينة وغيرها من الأمور التي اجتذبت العديد من المواطنين خاصة فئة الشباب المتعطشة لرمز وقائد جديد يتوافق مع أفكارها وتطلعاتها.

ولقيت أفكار مقتدى وخطابه السياسي قبولا كبيرا لدى فئة المسحوقين والمظلومين والكادحين، خاصة سكان مدينة الصدر الذين عانوا سنوات طوال في ظل أجواء الفقر والقهر والحرمان، ليصبح مقتدى مخلصهم في ظل هذه الظروف.

أحد مقاتلي جيش المهدي بمدينة الصدر

فالتفوا حوله وساندوه وشكلوا جيش المهدي الذي كانت نواته وأغلب قادته من أهالي مدينة الصدر التي انتظرت طويلا استعادة الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء وإصلاح المجاري وتوفير العمل لأبنائها العاطلين بعد سقوط نظام صدام.

وبعد طول انتظار لم تتحسن الأوضاع في هذه المدينة، بل أصبحت أسوأ بكثير وازداد الاحتقان الذي تفجر مع إغلاق جريدة الحوزة الناطقة والتصدي العنيف للمتظاهرين في بغداد والنجف، وأثمرت صراعا بين القوات الأميركية والجناح العسكري للتيار الصدري الذي يسمى جيش المهدي.

وتطوع الكثير من أبناء مدينة الصدر في هذا الجيش، وساهموا في معاركه مع متطوعين آخرين من مدن أخرى كالنجف والكوفة والناصرية والبصرة والعمارة وغيرها من المحافظات. لكن الثقل الأساسي كان بالطبع لأبناء مدينة الصدر، خاصة في شؤون القيادة والتنظيم والعدد، وقدموا عددا كبيرا من الضحايا في معارك النجف والكوفة وبغداد، وشاركوا في التظاهرات والاعتصامات التي دعا إليها قادة التيار الصدري وجابت العاصمة العراقية بغداد عدة مرات.

وعلى الرغم من وجود تيارات أخرى في المدينة كأتباع آية الله العظمى علي السيستاني أو أتباع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية أو أحزاب كالدعوة وغيرها، فإن الأغلبية كانت للخط الصدري، وكانت مدينة الصدر بحق رافدا لهذا التيار رغم عمره القصير نسبيا.

المصدر : الجزيرة