تزايد المخاوف من المجهول العراقي يقارب مواقف الجارين التركي والسوري

فالح الخطاب

تعكس زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس السوري بشار الأسد لتركيا وهي الأولى لرئيس سوري منذ الاستقلال عام 1946, حجم التغيرات التي طرأت على المنطقة والتداعيات التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق.

فبعد التطورات العراقية برزت مخاوف من الطبيعة المجهولة التي باتت تغلف الأوضاع في أنحاء الشرق الأوسط. فهذه المنطقة باتت مفتوحة على كافة الاحتمالات وهو أمر لم يكن موجودا من قبل.

وحرصت وسائل الإعلام التي تابعت أنباء الزيارة التي وصفت بالتاريخية على تسريب الكثير مما يتعلق بالمسألة العراقية عموما والإشكال الكردي على وجه أخص في المباحثات التي أجراها قادة البلدين.

وقال وزير الخارجية التركي عبد الله غل وكذلك مصادر دبلوماسية إن التركيز في المباحثات كان على العراق وسبل دعم وحدته. فالبلدان حرصا على التأكيد والتشديد على ضرورة وحدة العراق كما حرصا بالقدر نفسه على معارضة أي مشاريع قد تطرح وحدة العراق التاريخية على بساط البحث.

تطمينات باول تؤكد حقيقة مخاوف أطراف المنطقة (الفرنسية-أرشيف)
جدية هذه المخاوف وحقيقتها اكتسبت مصداقيتها من(التطمينات) السريعة التي بعث بها وزير الخارجية الأميركي كولن باول للطرفين, وربما لأطراف أخرى, عبر التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تزال على عهدها بقيام عراق موحد ومن ضمنه الجيب الكردي.

وقال باول إثر لقاء مع نظيره التونسي "إن الموقف الأميركي منذ بدء هذه الأزمة كان على الدوام القول إن العراق يجب أن يبقى دولة واحدة موحدة". وأضاف "أن الأكراد يرغبون في الحفاظ على هويتهم التاريخية وربطها, بطريقة ما, بالجغرافيا. لكني أعتقد أن من الواضح أن هذا الجزء من العراق يجب أن يبقى ضمن العراق".

تأكيدات وتطمينات باول قد تقنع السوريين والأتراك الذين باتوا يدركون حجم الأضرار التي وقعت في العراق وربما يدركون بشكل أكبر رغبة الولايات المتحدة, أو حتى عدم رغبتها, بوقف مسلسل تلك الأضرار والتداعيات.

بل وربما برزت شكوك بشأن النوايا الحقيقية للولايات المتحدة سواء في العراق أو المنطقة ككل، بعد أن تحدث باول نفسه في وقت مضى عن إعادة ترتيب المنطقة بدءا من العراق.

زيارة الرئيس الأسد تأتي في توقيت محكم للغاية وأبعد ما يكون عن الصدفة أو الاستعجال. ففي نهاية شهر يونيو/ كانون الثاني الجاري سيزور رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الولايات المتحدة من أجل إجراء مباحثات في واشنطن ينتظر أن يحتل فيها الموضوع العراقي, ومرة ثانية مشروع الفدرالية الكردية, الحيز الأساس.

كما أن وزير الخارجية عبد الله غل سيزور طهران السبت المقبل للبحث في الموضوع ذاته. وكان وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي زار دمشق قبل زيارة الأسد الحالية لأنقرة. هذه التحركات وما سيليها تشير كلها إلى وجود قدر لا بأس به من التنسيق والقلق من الأحوال التي تشهد المزيد من التردي كل يوم في العراق تحت الاحتلال الأميركي.

ولزيادة التأكيد على مشروعية القلق السوري لدى مضيفيه الأتراك وإكسابه عمقا عربيا حذر وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الأربعاء من أي أعمال أو خطوات قد تؤدي لتقسيم العراق كما حذر من التعصب العرقي والمذهبي الذي قال إن نتائجه ستكون تقسيم العراق وتهديد الأمن السعودي.

الأكراد عنصر الافتراق والوفاق الإقليمي (أرشيف)
ومن مفارقات السياسة أن الموضوع الكردي كان -بين أمور أخرى ولكن أقل أهمية- واحدا من عناصر الافتراق التركي السوري عبر سنوات إلا أن هذا الموضوع يبرز الآن ليمثل نقطة الالتقاء الأكبر بين البلدين بعد التطورات الأخيرة في العراق المحتل. فالبلدان يتقاسمان وجود أقلية كردية فيهما سوف تتأثر حتما بتطورات الوضع الكردي في العراق خصوصا مسألة الفدرالية والجدل الذي يدور حولها هناك.

ومن المتوقع أن يجري التطرق لأمور أخرى أثناء الزيارة من قبيل إمكانية توسط تركيا في إعادة إطلاق مفاوضات السلام السورية مع إسرائيل بعد أن عرضت أنقرة "تسهيل" الحوار بين البلدين.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير الثلاثاء إن إسرائيل لجأت إلى قنوات دبلوماسية خلفية لمعرفة ما إذا كانت سوريا تريد حقا استئناف محادثات السلام. فيما نقلت وكالة أنباء الأناضول التركية عن مصادر دبلوماسية قولها إنه إذا قرر الطرفان اختبار الظروف فإن تركيا قد تقوم بدور الوسيط.

ومهما يكن الأمر فإن تطورات الوضع داخل العراق ستبقى هي العامل الحاسم الذي سيقرر مستقبل ومصير الأوضاع الداخلية لدول الجوار.
ـــــــــــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة