واشنطن تبقي العقوبات على ليبيا في انتظار المزيد من التنازلات

* المحفوظ الكرطيط

أثار قرار الرئيس الأميركي جورج بوش تجديد العقوبات المفروضة على ليبيا منذ عام 1986 أسئلة جديدة حول نتائج وانعكاسات الخطوات الأخيرة التي اتخذتها طرابلس باسم "الواقعية" والمتمثلة أساسا في التخلي عن برنامجها لأسلحة الدمار الشامل بغية استرجاع مكانتها في الساحة الدولية.

والمثير للدهشة هو أن الصيغة التي قدم فيها القرار الأميركي توحي بأن واشنطن تجاهلت إلى حد ما القرار الليبي إذ وضعته في خانة ما سمته ببعض التطورات الأخيرة ورهنته باتخاذ طرابلس خطوات ملموسة "لعلاج أسباب القلق الأميركي".

والسؤال الذي يطرح في هذا المستوى هو مصدر القلق الأميركي إزاء ليبيا والتنازلات التي تنظرها واشنطن من طرابس.

لقد أقر بوش بصراحة بأن الشكوك ما تزال قائمة حيال دور ليبيا فيما سماه الإرهاب وحول سياستها في مجال حقوق الإنسان.

إن التحفظات الأميركية تعيد من جديد طرح علامات استفهام أخرى على حيثيات وملابسات القرار الليبي بالتخلص من أسلحة الدمار وتصريحات القيادة الليبية التي صاحبت هذا القرار.

سيف الإسلام القذافي
انعطافات غريبة
ومن بين التصريحات المثيرة في هذا الصدد ما أفاد به سيف الإسلام نجل الزعيم الليبي معمر القذافي بشأن تعهد واشنطن بحماية ليبيا من أي اعتداء واتفاقيات أمنية وعسكرية ستعقد مع الولايات المتحدة وقيام عسكريين أميركيين بزيارة ليبيا قريبا للاطلاع على احتياجاتها من المنظومات العسكرية المتنوعة.

إن هذه التصريحات تعيد إلى الأذهان المبادئ التي دافع عنها العقيد الليبي طوال عقود من الزمن وقعد لها في الكتاب الأخضر والمتمثلة في الحث على مقاومة الإمبريالية الأميركية والصهيونية ومناصرة القضايا العادلة ودعم حركات التحرر بمختلف أنحاء العالم.

لكن كل هذا التصريحات والمواقف المتسارعة التي تتناقض أحيانا أو ينفي بعضها البعض الآخر لا تجد مكانها إلا في خانة التغييرات المفاجئة والجذرية في سياسة ليبيا الخارجية والموسومة غالبا بطابع الغرابة إذا ما قيست بثوابت ثورة الفاتح من سبتمبر.

وقد بلغ مسلسل تغيير المواقف لدى طرابلس ذروته مع ملف لوكربي حيث قبلت ليبيا بتقديم تعويضات لأسر ضحايا الطائرة الأميركية التي سقطت عام 1989 والتي طالما نفت السلطات الليبية تورط اثنين من مواطنيها في الحادث.

مصالح أميركية
إن المحللين يجمعون على أن المواقف الأخيرة لطرابلس تتنافى مطلقا مع الخطوط العريضة للسياسة التي انتهجها العقيد معمر القذافي فترة طويلة من حكمه ودافع عنها في جميع الملتقيات والمناسبات.

لكن الأسئلة التي يطرحها المحللون هي هل القذافي أقدم على هذه الخطوات باسم واقعية سياسية تتوخى استعادة ليبيا لمكانتها بالمحفل الدولي وتجنيب الشعب الليبي الدمار؟ أم أنه سلك هذا المسلك حفاظا على كرسي القيادة بليبيا واستخلاصا لعبر الدرس العراقي؟ أم أن الأمر جاء امتثالا دبلوماسيا خفيا لضغوط أميركية ما فتئت تزداد قوة مع توالي الأيام خاصة في ظل المعطيات الجديدة على الساحة الدولية؟

ففي ثنايا كل هذه التحولات الليبية تلوح يد العم سام وتشتم رائحة ضغوط الإدارة الأميركية التي لا تتواني في استخدام سياسة العصا والجزرة لتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية ملوحة غالبا بالأولى ومحتفظة بالثانية.

يمكن تلخيص المصالح الأميركية بليبيا في مستويين يتعلق أولهما بالبترول الليبي الذي يسيل لعاب شركات النفط الأميركية وخاصة بعض الجهات النافذة بالبيت الأبيض التي غالبا ما تتلاقى مواقفها السياسية ومصالحها النفطية.

أما المستوى الثاني فذو طابع سياسي يمكن اعتباره مجرد ذريعة ويتعلق بوضع ليبيا في خانة ما تسميه واشنطن الدول المارقة والداعمة للإرهاب. وهذا ما يستعمله البيت الأبيض كفزاعة لتخويف ليبيا وانتزاع المزيد من التنازلات منها.

أمام هذه المعطيات والتطورات يصبح التساؤل ملحا بشأن الخطوة القادمة التي سيقدم عليها النظام الليبي في سبيل نيل رضا الإدارة الأميركية وتفادي عصاها أو ترجيحا لمصلحة الشعب الليبي.
ــــــــــــــــــ
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة