بقلم/ محمد المختار

قبل حوالي أسبوعين من الآن كان الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع يتجول في سيارة مكشوفة محييا الجماهير المصطفة على جنبات الشوارع في العاصمة نواكشوط.

ولم تكن هناك منغصات تشعر الناس باحتمال انفراط عقد الأمن أو شيوع الفوضى والنهب والسلب، بل إن الحملة التي ركزت الحكومة فيها على احتمال قيام إسلاميين -أغلب قياداتهم معتقلة- بعمليات إرهابية في نواكشوط كانت مثار تندر في الأوساط السياسية والحزبية والشعبية.

ولم يتوقع أحد أن تكون هناك حركة عسكرية بهذا الحجم ضد الرئيس المعروف بيقظته الأمنية إذ إنه ضابط استخبارات عسكرية سابق، وقد عين على الوحدات العسكرية أصدقاء موثوقين أو أقارب معروفين أو موالين جهويين يجدون في النظام مبتغاهم ويعتبرون أمنه من أمنهم الشخصي.

لكن المفاجأة كانت الليلة قبل الماضية حينما شق أفق سماء القصر الرئاسي إطلاق نار تبين أنه مضادات أرضية ترد على طائرة تحوم في سماء القصر الرئاسي الواقع على تلة تحيطها منازل ومكاتب راقية بعيدة عن الصخب والضوضاء.

ولعلع الرصاص وسط العاصمة المعروفة بالهدوء وتعددت أماكن العمليات العسكرية بتعدد المواقع الحساسة، وانجلى غبار المعارك أمس عن سيطرة للانقلابيين على القصر الرئاسي وقيادة أركان الدرك الوطني والمطار ووحدة المدرعات.

لكن أدخنة الإشاعات غيمت الرؤية بحجم الأدخنة المنطلقة من القصر، فالموالون للحكومة يؤكدون أن الحركة الانقلابية يائسة وأنها حسمت عسكريا وأن جيوب مناصريها تسقط الواحد تلو الآخر.

ويؤكد هؤلاء أن الرئيس بخير وأنه يقود العمليات بنفسه نافين لجوءه إلى أي من السفارتين الأميركية أو الفرنسية، وأن الوضع الأمني تحت السيطرة وأن التعزيزات العسكرية القادمة من ولايات الداخل ستحسم المعركة بشكل نهائي مع الانقلابيين المحصورين في أحد أطراف المدينة.

ويشيرون إلى تجدد المعارك اليوم وأن السلطة أحكمت الخناق على لواء المدرعات واستعادت السيطرة على منطلق الانقلابيين وحصنهم الأخير وأن المعارك تجددت في القصر الرئاسي ونواحيه وستنتهي اليوم لصالح الحكومة.

أما الشائعات المقابلة فتؤكد اعتقال عناصر مركزية في الحكومة مثل الوزير الأول الشيخ العافية ولد محمد خونا ومدير إدارة أمن الدولة دداهي ولد عبد الله والأمين العام للحزب الجمهوري الحاكم لوليد ولد وداد.

وتمضي هذه الشائعات في القول إن قائد أركان الجيش الوطني محمد الأمين ولد نجيان قد قتل وأن نجل رئيس الجمهورية المقدم أحمد ولد معاوية ولد الطايع قد قتل وأن الانقلابيين يسيطرون على المواقع الحساسة في العاصمة.

وترقب الناس وسط بحر الشائعات هذه وصول إمدادات أبرزها وحدة القوات الخاصة في مقاطعة بابابي الجنوبية وتلك المرابطة في مدينة أطار عاصمة ولاية آدرار الشمالية ليروا ما إذا كان ميزان القوى سيميل إلى أي من الطرفين، خاصة أن المخاوف تتعاظم من استقطاب جهوي حاد بين قادة المحاولة المنحدرين من المناطق الشرقية وأولئك المنحدرين من المناطق الشمالية معقل الرئيس ولد الطايع.

وبقدر ما احتار الناس في تلك الأوضاع ومصداقية تلك التقارير التي لم يتجسد على الأرض حتى لحظة كتابة هذا التقرير ما يؤيدها، فقد احتاروا في هوية الانقلابيين ومراميهم.

وتتطابق المعلومات على أن قائد المجموعة هو العقيد صالح ولد حننا الذي سرح من الجيش قبل أكثر من سنة مع مجموعة قيل إنها كانت تخطط لانقلاب عسكري بسبب إقامة حكومة ولد الطايع علاقات مع إسرائيل.. لكنها تستبعد وجود أي انتماء حزبي للرجل المنحدر من منطقة معروفة الولاء للناصريين.

وتصل التكهنات بعدد المشاركين في المحاولة إلى نحو 40 ضابطا أغلبهم من المناطق الشرقية ذات الكثافة السكانية العالية والحضور الكثيف في الجيش الوطني.. وإن ظهر بين الأسماء المتداولة ضباط من الشمال أبرزهم قائد الأركان المتقاعد مولاي ولد بوخريص ذو الميول الناصرية والولاء الصحراوي والذي قيل إن ولده من متزعمي الحركة الانقلابية.

كما يتحدثون عن ضباط من عرب الجنوب الغربي المعارضين للحكومة التي استلبت السلطة من تلك المناطق منذ انقلاب العاشر من يوليو/ تموز 1978 الذي أطاح بالمختار ولد داداه أول رئيس لموريتانيا.

لكن المخاوف الكبرى تنحصر من توجه الأمور إلى منزلق حرب أهلية قد تجد فيها بعض العرقيات المعبأة على الشعور بالمظلمة متنفسا يفضي إلى شيء من اللبننة أو الصوملة، إذ إن انفلات الوضع الأمني قد ينذر بكارثة يعززها وجود وحدات الجيش الحساسة في مناطق شعبية تأثرت بالعمليات.

ويشير هؤلاء إلى أن العصبيات الجهوية والقبلية الطاغية في العقدين الأخيرين لا تساعد على الحسم السريع، ويمكن أن تغذي ضروبا من المواجهات حصيلتها قتلى وجرحى لا ناقة لهم ولا جمل في معركة السلطة.

ويدللون على ذلك بأن منظمات المجتمع المدني والأحزاب والحركات السياسية لم تظهر في الصورة مع أي من الطرفين.

وإذا استصحبنا أن الموالين للحكومة ما زالوا كذلك فإن غياب رؤية واضحة في الموضوع أمر ينذر بأن تصرفات الانقلابيين خصوصا تخلو من خطة واضحة وتفتقر إلى سند معتبر خارج مؤسسات الجيش، إذ لم تعلن أي من الأحزاب والحركات الموجودة تأييدها للانقلاب.

ولم تعلن أي جهة خارجية تأييدها لأي من الطرفين وهو أمر حساس بالنظر إلى علاقات الحكومة الحساسة إقليميا أو دوليا، فالمعروف أن محور الجزائر وفرنسا قد تراجع حضوره في المشهد الموريتاني لصالح محور المغرب وأميركا.

ولئن كان المغرب يؤثر عدم التدخل بسبب محاولة نظمها عام 1980 ولم تفلح فإن الموقف الفرنسي الجزائري لم يتضح.

ومن المستبعد أن يغامر الفرنسيون في موقع تعزز فيه النفوذ الأميركي كما يستبعد أن يهملوا التدخل في منطقة نفوذ تقليدي. والأمر نفسه واضح في الحالة الأميركية التي تسعى للحفاظ على مرتكز في البلد الذي تقول أوساط اقتصادية إنه يحوي إمكانات نفطية هائلة فضلا عن موقعه الحساس بين شمالي أفريقيا وغربيها.

يقولون إن الانقلاب إذا لم ينجح في الساعات الأولى فإن فشله محتم، كما يقولون إن أنصار الحكومات سرعان ما يهربون إذا لعلع الرصاص، وهو ما ترجمه في الحالة الموريتانية هروب عناصر الحرس الرئاسي من القصر أمس وهروب قائد أركان الدرك الوطني العقيد أنا ولد عبد المالك.

ومحاولة الانقلاب الوحيدة التي كانت دموية وفشلت تمت عام 1980 وكان من أسباب فشلها هرب الرئيس ولد الطايع من مكتبه في قيادة أركان الجيش حينها.. فهل يفشل هذا الانقلاب الدموي؟

وهل تكرر حالات الهروب التي شملت شائعاتها الرئيس نفسه انتصارا جديدا للسلطة على الانقلابيين كما حدث عام 1980؟ أم هل تدخل موريتانيا دائرة أوليات القرن فيكون فيها أول انقلاب في العالم العربي في القرن الواحد والعشرين؟ وهل تكون استثناء فيقبل النظام الدولي تغيير النظام فيها بالقوة؟ وما الذي يعنيه الصمت الإقليمي والدولي عن الوضع الموريتاني الحالي؟

الساعات القادمة تحمل الإجابة القطعية لتلك الأسئلة الحيرى.
________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة