مشهد من إحدى المظاهرات في الشارع الموريتاني احتجاجا على الحرب الأميركية على العراق

محمد عبد العاطي*

لم يكن إسحق نيوتن على علم وقت اكتشافه لقانونه "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه" أن هذا القانون سوف يستعمل ليس فقط في علم الفيزياء ولكن أيضا في تفسير الكثير من الظواهر الاجتماعية وعلى رأسها ظاهرة الانقلابات العسكرية. وقد لا تكون الحالة في موريتانيا التي شهدت ليلة أمس انقلابا لم تعرف نتائجه بعد استثناء.

فقد شعرت المعارضة في البلاد أن الاحتقان الذي يشهده الشارع السياسي -على حد وصفهم- لا بد له من تنفيس وإلا وصل إلى حد الانفجار. غير أن ترمومتر الحكومة الموريتانية على ما يبدو لم يأبه كثيرا لهذه المشاعر ولم يأخذ ارتفاع درجة حرارة الجسد الموريتاني المحتقن بعين الاعتبار.

بالطبع لا يمكن الجزم حتى الآن إذا ما كانت محاولة الانقلاب -التي تتضارب الأنباء بشأنها حاليا- هي نتاج حركة شعبية متحالفة مع بعض فصائل الجيش، أو هي تحرك عسكري صرف وجد من الغضب الشعبي المتزايد بيئة خصبة وتربة ممهدة للقيام بهذه المحاولة.

لكن ما يمكن رصده بدقة هي سلسلة الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الحكومة الموريتانية مؤخرا بحق رموز مشهورة من المعارضة وإغلاق العديد من المؤسسات الإسلامية وانعكاس كل ذلك على مشاعر قطاعات عريضة من المجتمع الموريتاني، وهو ما أدى في النهاية إلى حالة الاحتقان التي تتحدث عنها المعارضة حاليا.

ففي الأسابيع الأخيرة فقط ازدادت حملات اعتقال المعارضين لسياسات الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع حتى تجاوز أعدادهم المائة. وكان أغلبهم من الإسلاميين سواء أولئك المشتغلون بالسياسة من أعضاء حزب تجمع القوى الديمقراطية، وأولئك الكارهون للسياسة وكل مشتقاتها مثل ساس ويسوس كجماعة التبليغ والدعوة التي اعتقل أميرها مؤخرا. وشملت كذلك المعارضة غير الإسلامية من أنصار حزب الحركة من أجل التغيير بعد اتهامه بإثارة النعرات الطائفية.

وقد أعادت هذه الاعتقالات إلى الذاكرة الموريتانية ما شهدته البلاد في العام 1994 حينما ترافق اعتقال عشرات الإسلاميين وقتذاك مع عمليات تشهير وتعذيب وقعت بحقهم وثقتها العديد من منظمات حقوق الإنسان ولا تزال تتحدث عنها، وكان آخرها ما صدر في تقاريرها المتتالية ولا سيما ما أصدرته منظمة العفو الدولية يوم 12/05/2003 والمنظمة الدولية لمكافحة التعذيب يوم 15/05/2003 والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان يومي 13 و23/5/2003 وكلها تقارير تدين عمليات الاعتقال الأخيرة وتندد بما صاحبها من تشهير وتعذيب.

وتأخذ المعارضة في موريتانيا على سياسات الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الكثير من النقاط منها على سبيل المثال:

  • تضييق هامش الحريات والاستئثار بالسلطة وازدياد حملات الاعتقال السياسية وانتهاك حقوق الإنسان.
  • تردي الأوضاع الاقتصادية بشكل جعل من معظم الموريتانيين يعيشون تحت مستوى خط الفقر.
  • الانفتاح غير المبرر سياسيا والمحرم شرعيا على إسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها، وذلك في وقت يتزايد فيه القمع الإسرائيلي للشعب الفلسطيني وانتفاضته.
  • ما تردد عن دفن إسرائيل نفايات نووية وإجراء تجارب على صواريخها في الصحراء الموريتانية.

وقد يتشابه ما يحدث في موريتانيا حاليا مع ما حدث في مصر نهاية عهد الرئيس محمد أنور السادات بعد توقيعه معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وما أعقبها من شن حملات اعتقال عام 1981 شملت معظم رموز العمل السياسي والفكري من مسلمين وأقباط، الأمر الذي عظم من فاتورة هذه السياسات حتى كان ثمنها هو رأس السادات نفسه، وهو ما حدث في احتفاله بنصر أكتوبر/ تشرين الأول أثناء العرض العسكري.

لكن من السابق لأوانه وضع هاتين الصورتين جنبا إلى جنب للتأمل فيهما، والأمر برمته يتوقف على نجاح أو فشل أولئك الذين قاموا بمحاولة الانقلاب الدائرة رحاها الآن في نواكشوط.
______________
الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة