كيف يقرأ العرب دعوة بوش لإقامة منطقة تجارة حرة؟
آخر تحديث: 2003/5/9 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/3/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/5/9 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/3/8 هـ

كيف يقرأ العرب دعوة بوش لإقامة منطقة تجارة حرة؟

محمد عبد العاطي*

طاهر كنعان
كيف يمكن قراءة دعوة الرئيس الأميركي لإقامة منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة وبعض دول الشرق الأوسط؟ ما المضار والمنافع التي ستعود على الدول العربية التي يمكن أن تدخل ضمن هذه المنطقة؟ وهل يمكن النظر إلى هذه الدعوة على أنها فرصة للتخلص من حالة الشلل التي أصابت الاقتصادات العربية كما تصفها تقارير التنمية البشرية؟ أم أنها ربما تدخل في إطار السعي الأميركي لعولمة اقتصادات المنطقة بما يتناسب مع مصالحها؟ وأخيرا كيف يمكن للدول العربية الاستفادة من مثل هذه الدعوات؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها في الحوار التالي نائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط الأردني الأسبق طاهر كنعان أحد أكثر الاقتصاديين العرب اطلاعا على ملف اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة لكون الأردن هي الدولة العربية الوحيدة الموقعة على هذه الاتفاقية.

السيد طاهر لو أذنت لي أن تكون بداية هذا الحوار الذي يغلب عليه الطابع الاقتصادي بالتعرف أولا على المقصود بمنطقة التجارة الحرة.

المقصود بمنطقة التجارة الحرة في أي منطقة في العالم هو أن منتجات الدول الأعضاء أو الموقعة على اتفاقية التجارة الحرة في هذه المنطقة تسمح بدخول منتجات الدول الأخرى الأعضاء في السوق نفسه دون فرض رسوم جمركية أو أي حواجز أخرى على التجارة فيما بينها.

وكيف تنظر إلى الإعلان الأميركي الخاص بإقامة منطقة تجارة حرة لبعض دول الشرق الأوسط؟

هو نوع من عولمة الأسواق في نطاق الاقتصاد الأميركي، أي أنه فتح لأسواق هذه الدول للمنتجات الأميركية دون قيود وفتح السوق الأميركية لمنتجات دول الشرق الأوسط دون قيود أيضا.

ماذا تقصد بعولمة الأسواق؟ هل يعني أن الولايات المتحدة تسعى لتوسعة تبعية أسواق العديد من دول الشرق الأوسط لها؟

الولايات المتحدة ترغب في ضم أقطار أخرى من منطقة الشرق الأوسط -ربما تكون كل الأقطار بالتدريج- لتصبح مشمولة في إطار المصالح الأميركية. ولكي أوضح كلامي أقول: هناك منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة من جهة وكندا في الشمال والمكسيك في الجنوب من جهة أخرى، وهو ما يسمى "النافتا".

وهناك دولتان بعيدتان جغرافيا عن الولايات المتحدة ولا تدخلان بصورة رسمية ضمن هذا الإطار ولكن بشكل عملي تعتبران من أعضائه، هاتان الدولتان هما إسرائيل والأردن الموقعتان على اتفاقيات للتجارة الحرة بينهما وبين الولايات المتحدة لمدة عشر سنوات إلى أن تصبح هذه الاتفاقيات في نهاية هذه السنوات العشر وبالتدريج كاملة المفعول.



من المؤسف أن تأتينا مثل هذه المبادرات التي تحتاج بصورة ماسة وملحة إلى استجابة تضامنية ونحن في أضعف أحوالنا وأبعد ما نكون عن الاستعداد للمواقف التضامنية

بعد هذا التوضيح دعنا ندخل في صلب إعلان الرئيس بوش، برأيك ومن واقع مسؤولياتك السابقة عن الاقتصاد والتخطيط في بلد عربي وقع بالفعل مع الولايات المتحدة اتفاقية للتجارة الحرة، ما المنافع والمضار التي يمكن أن تعود على العالم العربي أو على بعض دوله التي ستدخل ضمن هذه الاتفاقية؟

لكي يكون هناك منافع تعود على المنطقة العربية أو على بعض دولها التي ستدخل ضمن اتفاقية التجارة الحرة لابد أن تكون هذه الأقطار متكافئة في مستواها الاقتصادي والإنتاجي مع مستوى الولايات المتحدة. وهنا تكون المنفعة في شكل تقسيم للعمل وصولا إلى المنتج الواحد غير الخاضع للحواجز الجمركية بين هذه الأقطار.

ولكن حين ترفع الحواجز الجمركية بين دولتين أو أكثر وهما غير متكافئتين في مستواهما التنموي فالفوائد تكون منحازة إلى الدولة الأقوى على حساب الدولة الأضعف اقتصاديا.

ولكي يمكنك الحديث عن المنافع والمضار لابد من أن يسبق ذلك أولا دراسة لهيكل الاقتصاد في الدول المشاركة في منطقة التجارة الحرة، بذلك يمكن الموازنة ومعرفة كيف يمكن أن تعزز إزالة الحواجز اقتصاد كل من هذه الدول وكيف يمكن أن تضر به.




أنت وضعت المعيار وواضح أنه ليس هناك تكافؤ اقتصادي بين الولايات المتحدة وأي من الدول العربية التي ستلتحق باتفاقية التجارة الحرة، فدعني أسألك بطريقة مباشرة: ما الضرر الأساسي الذي يمكن أن يلحق باقتصادات دولنا العربية من جراء هذا الاتفاق الذي تبرزه الحملة الإعلامية المصاحبة له وكأنه طوق نجاة للاقتصادات العربية المتعثرة؟

يمكنني القول إن الضرر الأساسي سيلحق بتماسك المنطقة العربية كإقليم جغرافي-سياسي تربط بين دوله مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة حتى لو تجاوزنا الرابطة القومية.

معروف أن المنطقة العربية داخلة في اتفاقيات "منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى"، وفي الوقت نفسه في اتفاقيات "الشراكة الأوربية" مثل مصر والأردن والمغرب وتونس، وفي الطريق سوريا ولبنان، والآن يطرح موضوع منطقة التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، فهذه المبادرات كلها التي تلتف على منطقة التجارة الحرة العربية تكون على حساب التماسك الاقتصادي أو التضامن الاقتصادي العربي.

ما علاقة التضامن الاقتصادي العربي باتفاقات التجارة الحرة؟

هنا ستكون العلاقات بين كل بلد في المنطقة العربية وبين المركز الصناعي سواء الأوروبي أو الأميركي وليس مع أقطار المنطقة العربية ذاتها، وهذا أصفه بأنه بعثرة للتكامل الاقتصادي العربي ويأتي على حساب تماسك المنطقة وهويتها كما قلت.



ما بعد الحرب على العراق أصبح التضامن العربي مفككا بصورة لم يسبق لها مثيل، وأصبحت كل دولة عربية تسير في سياستها بانفراديه مسرفة إلى درجة مأساوية تذكرنا بعهد ممالك الطوائف في الأندلس الذي انتهى بزوال الوجود العربي في تلك البلاد

لماذا لا يكون تعزيز اقتصادات كل دولة عربية على حدة بهذه الاتفاقات سواء مع المركز الأوروبي أو الأميركي تدعيما لاتفاقيات التجارة الحرة فيما بينها ككل وبالتالي تدعيما لاقتصادها في المجمل؟

هذا سؤال وجيه جدا، ولكن ما تقوله لا يحدث تلقائيا، ولكي أوضح كلامي لا بد من الاستشهاد ببعض الأمثلة.

فبين أقطار المجموعة الأوروبية تفتح السوق للمنتجات الإيطالية، على سبيل المثال إذا كانت هذه المنتجات ذات منشأ إيطالي أي فيها ما لا يقل عن 35% قيمة مضافة "إيطالية"، لكنه في حساب القيمة المضافة الإيطالية يدخل في هذه القيمة أي مدخلات ذات منشأ في الدول الأعضاء في السوق. بمعنى أن إيطاليا إذا استعملت في منتجاتها مواد من فرنسا أو إسبانيا مثلا فإن قيمة هذه المواد تحسب ضمن القيمة المضافة الوطنية الإيطالية التي تؤهل المنتج الإيطالي دخول الأسواق الأوروبية دون حواجز، وهذا ما نسميه تراكم قواعد المنشأ.

أما الدول العربية فللأسف حينما وقعت اتفاقات الشراكة الأوروبية لم تطالب أي منها بتطبيق هذه التراكمية للاستفادة من واقع روابطها التجارية مع الدول العربية الأخرى في اتفاقياتها مع أوروبا بحيث يكون المنتج المصري على سبيل المثال مستفيدا من حساب القيمة المضافة في المنشأ من استخدامه لمدخلات ذات منشأ مغربي أو تونسي أو أردني.

الآن بعد دورة المفاوضات التي أجراها كل بلد عربي بمفرده -انتبهوا إلى قصة تراكم قواعد المنشأ هذه- فإذن لن يحدث ما تحدثت عنه في سؤالك من أثر إيجابي بصورة تلقائية، بل يشترط لحدوثه أن تجري الدول العربية مفاوضات "مشتركة" وأؤكد على كلمة مشتركة وليست منفردة، وإلا تحدث البعثرة التي سبق ذكرها. بعبارة أخرى إذا كانت الدول العربية مدعوة للانضمام إلى اتفاقية منطقة تجارة حرة مع الولايات المتحدة فمن الضروري أن تتدارس أبعاد هذه الدعوة بعمق فيما بينها حتى تصل إلى تصور وتصميم مشترك. وهناك مبررات لعقد قيمة عربية اقتصادية أو على الأقل على مستوى الخبراء الاقتصاديين والفنيين لكيفية الاستفادة من اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة دون الإخلال بمزايا منطقة التجارة الحرة العربية مزايا اتفاقيات الشراكة الأوروبية والالتزامات تجاه منظمة التجارة العالمية.

وبالمثال تتضح الأمور أكثر.

عندما أقول إن هذا المنتج العربي تفتح له الأسواق الأميركية فلابد أن تتوافر فيه على سبيل المثال قيمة أردنية مضافة بنسبة 35% حتى يفتح له السوق وتزال عنه الحواجز الجمركية في الولايات المتحدة، لكن حجم المنتجات الأردنية التي تحقق هذهالنسبة قليل جدا. لذلك لا بد للوصول إلى النسبة المذكورة من قبول مدخلات منتجة في أقطار أخرى في حسب هذه القيمة. وقيمة المدخلات من أميركا مقبولة لهذا الغرض. ولكن ما شأن المدخلات المنتجة في الدول العربية الأخرى؟ هنا لا بد من المفاوضات التضامنية المشتركة للوصول إلى إقرار هذه التراكمية في شروط التأهيل. وفي هذا التفاوض التضامني لا بد من أن لا يضحي بالمزايا المتحققة من اتفاقية المناطق الحرة العربية والشراكة مع أوروبا.


لا بد في المفاوضات العربية "المشتركة" مع الولايات المتحدة -إذا تمت- بخصوص منطقة التجارة الحرة من استثناء سلع أميركية منافسة أو كمالية أو ضارة من تخفيض الرسوم الجمركية مثل المنتجات الزراعية المدعومة في أميركا والسيارات والتبغ والسجائر والمشروبات الكحولية

كذلك لا بد من استثناء سلع أميركية منافسة أو كمالية أو ضارة من تخفيض الرسوم الجمركية مثل المنتجات الزراعية المدعومة في أميركا والسيارات والتبغ والسجائر والمشروبات الكحولية.

وما تحدثت عنه هنا مثله مثل أي شيء، مثل الهواء والريح فهما طاقة حيادية في ذاتهما، ولكن استجابة المرء لهما وتعامله معهما هو الذي يجعلها (الطاقة) إيجابية أو سلبية.

أعود فأكرر أن المبادرة الأميركية هذه إذا أخذت الدول العربية إزاءها مواقف مدروسة ومشتركة ومغلبة لمصالح التضامن بين العرب قد تكون مفيدة.

ثم إنه لكي يكون الأمر مستقيما فقد كان مفروضا من الناحية العملية أن تكون المفاوضات بين أعضاء منطقة التجارة العربية الحرة مجتمعين، لا سيما وأن هذا الموضوع يتعلق بعلاقتهم بتكتل اقتصادي آخر هو هنا النافتا أو السوق الأوروبية أو أي شكل اقتصادي آخر. أما إذا تصرف كل قطر عربي بمفرده فستحدث البعثرة التي ذكرتها لك.


ذكرت أن الأردن وإسرائيل من الناحية العملية وليس النظرية يعتبران عضوين في النافتا، والسؤال هنا ألا يمكن قراءة الدعوة الأميركية إلى اتفاقية التجارة الحرة في الشرق الأوسط بمنظار التطبيع أو عدم التطبيع مع إسرائيل؟

أنا أعتقد أن موضوع التطبيع السياسي أو التسويات السياسية في إطار ما يسمى خارطة الطريق وتبعاتها سوف يسبق هذا الموضوع، فالولايات المتحدة لن تنتظر عشرة أعوام لإقامة منطقة تجارة حرة تتيح التطبيع السياسي.

بالعكس فقد أصبحت اتفاقيات منطقة التجارة الحرة مع الولايات المتحدة "عنوانا"، ثم يليه العنوان التالي وهو الضغط السياسي لتسوية سلمية شاملة بالمنطقة.. أتصور أن المبادرات السياسية في التطبيق سوف تسبق الأمور الاقتصادية.


سعادة الوزير، بعد هذا الشرح هل يحق للبعض أن يقول إن إعلان بوش ليس جائزة اقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط كما تروج الإدارة الأميركية ولكنه -إذا جاز تعبير ذلك البعض- كارثة اقتصادية؟

ليس تلقائيا، كما سبق وذكرت، إذا كان التعامل مع هذا الأمر انفراديا من قبل كل دولة عربية على حدة تحت وهم أولوية المصلحة القطرية وإمكانية تحقيقها بمعزل عن تكامل المصالح مع أقطار الجوار في الإقليم الجغرافي-السياسي الواحد (حتى لا نقول أقطار الأمة العربية المسلمة الواحدة) ففي هذه الحالة سيصبح الوضع كارثيا بالتأكيد.

وللأسف فعهد ما بعد الحرب على العراق أصبح فيه التضامن العربي مفككا بصورة لم يسبق لها مثيل، وأصبحت كل دولة عربية تسير في سياستها بانفراديه مسرفة إلى درجة مأساوية تذكرنا بعهد ممالك الطوائف في الأندلس الذي انتهى بزوال الوجود العربي في تلك البلاد. بل إنه أصبح للأسف الشديد من دواعي الاستحياء والخجل إثارة موضوع التضامن العربي، ومن المؤسف أن تأتينا مثل هذه المبادرات التي تحتاج بصورة ماسة وملحة إلى استجابة تضامنية ونحن في أضعف أحوالنا وأبعد ما نكون عن الاستعداد للمواقف التضامنية.
___________
الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: