محمد عبد العاطي*

كثيرا ما زار وزراء الخارجية الأميركان العاصمة السورية دمشق، لكنها قليلة تلك الزيارات التي اكتسبت أهمية سياسية وإعلامية كالزيارة التي قام بها كولن باول إلى سوريا ولقائه اليوم مع الرئيس بشار الأسد.

فلهذه الزيارة خصوصية مميزة تنبع من التوقيت الذي تتم فيه، حيث تجيء عقب بسط القوات الأميركية سيطرتها العسكرية على الأراضي العراقية ورغبتها في استثمار هذا الوضع سياسيا، وطرح خارطة الطريق وما تتطلبه من تمهيد للبيئة السياسية فلسطينيا وعربيا.

خطاب مختلف
مفردات وزير الخارجية الأميركية كولن باول اختلفت أثناء مؤتمره الصحفي الذي عقده على غير المعتاد صباح اليوم في دمشق -قبل لقائه بالرئيس بشار- عن تلك التي جاءت في مؤتمره بالأمس في العاصمة الإسبانية مدريد.

ففي مدريد التي زارها كما أعلن لتقديم شكر الإدارة الأميركية لإسبانيا ورئيس وزرائها خوسيه ماريا أزنار على مواقفها الداعمة لواشنطن في حربها على العراق قال الوزير الأميركي ضمن ما قال "إن الشرق الأوسط قد تغير بعد حرب العراق وعلى سوريا أن تغير سياستها" وقال أيضا إنه سيعرض على الرئيس بشار الأسد "قلق واشنطن العميق من إيوائها لجماعات إرهابية فلسطينية".

أما في دمشق فقد حاول في مؤتمره صباح اليوم أن يعطي انطباعا بأنه أتى للحوار وليس لفرض مطالب أو إملاءات، فقد قال إنه جاء "لاستطلاع رأي الرئيس السوري في المتغيرات التي تشهدها المنطقة".

مآخذ أميركية على السياسة السورية
بالطبع، ليس بالضرورة أن تنبئ المؤتمرات الصحفية التي تسبق عقد اللقاءات السياسية أو التي تعقبها عن المضمون الحقيقي لهذه الاجتماعات.

بوش عقب وصوله من منتجع كامب ديفد في أبريل/ نيسان 2003 يحذر سوريا ويقول إن عليها أن تتعاون

فالإدارة الأميركية سبق وأن حددت مآخذها على السياسة السورية قبل أسبوعين وعلى لسان أكثر من مسؤول بدءا بالرئيس جورج بوش نفسه الذي توعد سوريا "إن لم تتعاون" ومرورا بوزير الدفاع دونالد رمسفيلد وانتهاء بوزير الخارجية كولن باول، وقد أوضحوا بجلاء هذه المآخذ في النقاط التالية:

  • مساعدة سوريا للحكومة العراقية السابقة عن طريق تسريب معدات عسكرية من بينها أجهزة رؤية ليلية.
  • تسهيل سفر المتطوعين العرب لمحاربة القوات الأميركية والبريطانية في العراق وتحريضها على ذلك.
  • إيواؤها لمسؤولين عراقيين وقادة كبار في حزب البعث العراقي.
  • استضافتها لمنظمات فلسطينية تصفها بالإرهابية.
  • تأييدها لحزب الله الذي تدرجه الولايات المتحدة على قائمة المنظمات الإرهابية.
  • وجودها العسكري في لبنان.
  • امتلاكها لأسلحة كيميائية.

ومن المتوقع أن تكون هذه الموضوعات أو بعض منها على جدول أعمال الوزير كولن باول التي سيناقشها اليوم مع الرئيس بشار الأسد.

وجهة النظر السورية
سوريا من جانبها استبقت الزيارة بإعادة التأكيد على ما تصفه بأنه ثوابت تحكم سياستها الخارجية ورؤيتها لإحلال السلام بالمنطقة، كما
نقل في أكثر من مناسبة عن وزير خارجيتها فاروق الشرع والمتحدثة باسم وزارة الخارجية بثينة شعبان.

فبالنسبة لاتهام واشنطن لها بامتلاكها أسلحة كيميائية نفت دمشق ذلك، وسارعت إلى مجلس الأمن تدعوه لتبني مبادرة تجعل من منطقة الشرق الأوسط -بما فيها إسرائيل- منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

أما في ما تعلق بالعراق ومساعدة الحكومة السابقة، فقد أعلنت من قبل أنها لم تقدم لها أي مساعدة عسكرية، وأن ما يتردد عن معدات عسكرية وأجهزة رؤية ليلية هو من قبيل تصفية الحسابات ردا على المواقف السورية الرافضة للحرب التي اتخذتها في جلسات مجلس الأمن الشهيرة طوال الأسابيع التي سبقت العدوان على العراق وكان أكثرها جرأة وصراحة هي اتهام فاروق الشرع الإدارة الأميركية علنا بأن لها أجندة خاصة خفية تريد تحقيقها في العراق وتتخذ من أسلحة الدمار الشامل ذريعة لذلك.

ومع ذلك فقد تجاوبت دمشق مع المطالب الأميركية خاصة في الأيام الأولى التي أعقبت بسط سيطرتها على بغداد وأعلنت غلق حدودها مع العراق. وترددت أنباء غير رسمية بطرد الكثير من كبار قادة حزب البعث والمسؤولين في الحكومة العراقية المخلوعة الذين لجؤوا إليها، وربما عززت هذه الأنباء مقولة الرئيس الأميركي قبل أيام "إن سوريا فهمت الرسالة".

وفي ما يتعلق بوجودها العسكري والأمني في لبنان فقد أعلنت سوريا أن هذا الوجود يجيء ضمن اتفاقية أمنية وقعت بين البلدين وبموافقة من الحكومة اللبنانية نفسها، وبالتالي فهو لا يصنف على أنه احتلال.

وشبه نواب سوريون من بينهم جورج جبور عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشعب السوري الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان -الذي يجيء ضمن اتفاقية أمنية موقعة بين البلدين- بالوجود العسكري الأميركي في الكويت قائلا إنه لا فرق من الناحية القانونية بين الحالتين.

أما قضية المنظمات الفلسطينية التي تستضيفها دمشق وتسبب قلقا لإسرائيل فقد سبق وأن أعلنت سوريا موقفها في ذلك، ومن المحتمل أن يعيد الرئيس بشار الأسد في لقائه مع كولن باول اليوم شرح وجهة النظر السورية المتعلقة بهذا الأمر والمتمثلة في:

  • أن هذه المنظمات لا تمارس عملا مسلحا ضد إسرائيل وإنما وجودها هو وجود رمزي وإعلامي فقط، وهي تستضيفهم كلاجئين إلى أن تحل القضايا الأساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومنها قضية اللاجئين.
  • تذكر دمشق واشنطن بأن الديمقراطية التي تدعو العالم العربي إلى اعتناقها تحتم على الإدارة الأميركية القبول بوجود وجهات نظر معارضة وهو ما تتبناه هذه الفصائل المتواجدة على أراضيها.

وبالنسبة لقضية السلام مع إسرائيل فإن سوريا أعادت التأكيد في أجواء هذه الزيارة على ما سبق وأن أعلنه الرئيس بشار الأسد نفسه بأن مفاوضات السلام ليست غاية في حد ذاتها، وليس متصورا أن تستمر إلى ما لا نهاية، حيث إن ذلك كما يقول يبعد السلام عن هدفه الأساسي المتمثل في تحقيق الأمن والاستقرار.

وتدعو الفلسفة السورية في هذا الأمر إلى عدم وضع العربة قبل الحصان بتغليب الثانوي على الأساسي، فلا يجوز من وجهة النظر السورية بحث الأمن قبل صنع السلام.

كما لا يجوز تجزئة حلول القضايا الهامة مثل قضايا الاحتلال، ولذلك دعت سوريا إلى الانسحاب الإسرائيلي من الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وجنوب لبنان، وبهذا يمكن -كما تقول- إحلال الاستقرار بالمنطقة.

وأخيرا تجيء زيارة باول لسوريا ولقاؤه مع بشار الأسد وحديثه كما أعلن في مؤتمره الصحفي عن خارطة الطريق استكمالا للمساعي الأميركية لتمهيد البيئة السياسية المطلوبة لتنفيذ هذه الخارطة.

وربما يأتي -كما يقول محللون سياسيون سوريون- إعادة التلويح بما تعتبره واشنطن "تهمة" استضافة وإيواء منظمات فلسطينية تعتبرها إرهابية في هذا السياق، حيث تقف اعتراضات هذه المنظمات عقبة في سبيل تنفيذ الكثير من بنود هذه الخطة، خاصة في ما يتعلق بمسألة نزع أسلحة فصائل المقاومة، فتنشغل بعض هذه المنظمات بوجودها أو عدم وجودها في دمشق عن اعتراضها على خارطة الطريق.

زيارة مهمة إذن تلك التي يقوم بها باول لسوريا. وقد يكون -كما يرى المتفائلون- الحوار الهادئ الذي يتميز به كل من باول وبشار بداية للتقريب بين وجهتي نظر مختلفتين.

وربما تغلبت نظرة المتشائمين الذين يرون أن الإدارة الأميركية الحالية باتت ولا سيما بعد انتصارها العسكري في العراق تفضل النظر إلى المشكلات الدولية بعين القوة العسكرية التي تراها الأسرع في الحسم والأسهل في تحقيق رغباتها.

ويبقى الرهان في نجاح أو فشل هذه الزيارة متوقفا على المهارة الدبلوماسية المعهودة عن سوريا في الموازنة بين ثوابتها الوطنية والقومية من جهة ورغبات الإدارة الأميركية المزهوة بنصرها العسكري في العراق من جهة أخرى.
___________
الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة