قافلة عسكرية أميركية وسط سيارات العراقيين بأحد الطرق السريعة ببغداد (الفرنسية)

أحمد فاروق

في أقل من 24 ساعة فقدت قوات الاحتلال الأميركي في العراق أربعة من جنودها فيما بدا أنه هجمات لعناصر مقاومة عراقية في الوقت الذي كانت واشنطن تعتقد أن الأمور استتبت لها في العراق.

جاءت هذه العمليات لتصدم الأميركيين الذين بدت على قواتهم في الأسابيع الماضية حالة من الاسترخاء في مواقعهم وحتى تحركاتهم بالمدن العراقية وبدء نقل بعض اختصاصاتهم الأمنية على عناصر من الشرطة العراقية في بغداد.

ويبدو أن الأميركيين انشغلوا في الفترة الماضية بجهود ضمان السيطرة على النفط العراقي من خلال قرار مجلس الأمن معتقدين أن الشعب العراقي قبل بوجود الاحتلال الذي بدا أنه سيكون لفترة طويلة.

القيادة الأميركية اعتمدت على ترحيب العراقيين برحيل حكومة صدام حسين وحزب البعث ثم انشغالهم بالهموم اليومية مثل أزمة الكهرباء والوقود والمياه والرواتب وغيرها من مظاهر المعاناة اليومية التي تشغل أي عراقي عن التفكير في أن ما وصفت بقوات التحرير تحولت إلى قوات احتلال.

ولكن أثبتت التطورات خطأ هذا الرهان الأميركي ولذلك بدت المؤشرات تدريجيا على وجود عناصر مقاومة خاصة في الفلوجة فهذه المدينة الواقعة غرب بغداد تدار بالجهود الذاتية من خلال مجلس اختاره الوجهاء وزعماء العشائر ورجال الدين.

ونجح أهالي المدينة بجهودهم الذاتية في إعادة أكبر جزء من الخدمات الأساسية وتحقيق الأمن ولكن إصرار الأميركيين على دخولها رغم اتفاق مسبق مع زعمائها أثار حنقا شعبيا واسعا جعل المدينة بؤرة للتوتر الدائم.

ويبدو أن هذا التوتر سينتقل إلى مناطق أخرى في العراق حيث أفاق العراقيون من نشوة رحيل صدام ليواجهوا مشهدا يوميا لقوات محتلة يثير حنق أي وطني عراقي يترافق مع عدم تنفيذ أي وعود سابقة بسرعة تشكيل حكومة وطنية عراقية.

وحتى الرواتب المؤقتة التي صرفت للموظفين تعتبر غير كافية في ظل انهيار كامل للأوضاع الاقتصادية وغلاء فاحش إلى جانب توقف صرف مخصصات الحصص الغذائية التي كانت توفرها الحكومة السابقة. ولم يخدع أيضا قرار مجلس الأمن بإنهاء العقوبات الاقتصادية العراقيين فقد اتفقوا على اعتباره تكريسا للاحتلال وأنه غير مجد في الوقت الحالي في ضوء عدم تشكيل حكومة وسيطرة الأميركيين على النفط.

خطأ آخر في الحسابات ارتكبته الإدارة الأميركية بالعراق بإعلان حل الجيش العراقي ووزارتي الدفاع والإعلام وتسريح جميع العاملين بهذه المؤسسات دون أي تمييز. وقد خرجت تظاهرة احتجاج هدد فيها بعض المتظاهرين باللجوء إلى حمل السلاح ضد القوات الأميركية بعد أن فقدوا مورد رزقهم في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد لكوادر وطنية مؤهلة تعيد بناءها في المرحلة المقبلة.

يمكن أيضا الأخذ في الاعتبار أن عناصر موالية للحكومة السابقة وحزب البعث قد تكون مسؤولة عن بعض الهجمات التي يتعرض لها الأميركيون خاصة مع تحول هؤلاء رسميا إلى مطلوبين ليس لديهم ما يبكون عليه.

وتفرض هذه التطورات على الأميركيين إعادة النظر في مجمل سياساتهم في عراق ما بعد الحرب بالعودة مرة أخرى إلى تنفيذ وعودهم بتشكيل حكومة وطنية عراقية خاصة وأن أقرب حلفائهم مثل -زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي- اعترضوا بشدة على قرار رفع العقوبات واعتبروه تكريسا للاحتلال.

أما شعار بقاء الأوضاع على ماهو عليه الذي تنتهجه الإدارة الأميركية المحتلة للعراق فسيؤدي بالتأكيد إلى تأجيج مشاعر الغضب والاستياء العراقي واتجاهها نحو التصاعد والانفجار بدلا من الهدوء والكتمان.
______________

الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة