موافقة حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على خطة السلام المعروفة بخارطة الطريق لاقت ترحيبا واسعا قد يكون في غير محله، لأن هذه الموافقة أزالت عقبة إجرائية مع استمرار العقبات الرئيسية أمام جهود تحقيق السلام.

مبدئيا نجحت حكومة شارون في تهدئة الولايات المتحدة التي تضغط من أجل تنفيذ وعودها للعرب بتحقيق تقدم في عملية السلام، لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يستطيع المغامرة بتحدي رغبات واشنطن التي ينتظر منها المزيد من المعونات الاقتصادية.

ولكن على أرض الواقع لا يعني ذلك مسارعة الإسرائيليين بتنفيذ المرحلة الأولى على الفور، فمن المؤكد أن قبول واشنطن للتحفظات الإسرائيلية بشأن خارطة الطريق حولها من خطة ذات جدول زمني قابلة للتنفيذ وتؤدي إلى قيام دولة فلسطينية عام 2005 إلى مجرد إطار للتفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

هذه التحفظات الإسرائيلية تعني أيضا أن التفاوض سيشهد أخذا وردا من الجانبين والدخول في تفصيلات وقضايا جوهرية وجانبية تتمحور معظمها على نقاط الخلاف الأساسية مثل إزالة المستعمرات وعودة اللاجئين ووضع القدس.

فمثلا إزالة المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية سيواجه بمقاومة عنيفة من المستوطنين بنفوذهم القوي في الأحزاب المشاركة بالحكومة. كما أن تنفيذ هذا الجانب سيستغله شارون دعائيا لإقناع العالم بأنه يقدم تنازلات مؤلمة على حد قوله.

وفي ما يتعلق بقضية اللاجئين رفض مجلس الوزراء الإسرائيلي بشدة عودة فلسطينيي 1948 كما أن خارطة الطريق لا تشير تحديدا إلى حق الفلسطينين في العودة، ولكنها تدعو لحل عادل وواقعي لقضية اللاجئين في المرحلة النهائية لخطة السلام.

أما الخلاف على وضع القدس فيمكنه بسهولة نسف أي مسار تفاوضي بين الجانبين مثلما حدث مرارا قبل ذلك وهو ما يعني أيضا أن التعهد بقيام دولة فلسطينية عام 2005 أمر صعب المنال، رغم أنه كان العامل الأساسي في قبول الفلسطينيين.

وهناك أيضا مجال واسع للمناورة أمام الحكومة الإسرائيلية وهو ما تسميه بالجانب الأمني، فإسرائيل ترفض بشدة تقديم تنازلات في هذا الجانب على حد تعبير شارون الذي يمكن من خلاله الضغط على الإدارة الأميركية بإجراء تعديل للخطة وعلى الفلسطينيين لتقديم المزيد من التنازلات.

وتحت عنوان الأمن يمكن اتهام الفلسطينيين بعدم الوفاء بتعداتهم بالتصدي لجماعات المقاومة الفلسطينية. وفور وقوع أي هجوم فدائي فلسطيني يمكن لحكومة شارون أن تنسف تماما خارطة الطريق أو تضغط على واشنطن لمزيد من التعديلات التي تفرغها من محتواها.

أما الحكومة الفلسطيينية برئاسة محمود عباس (أبو مازن) فتواجه وضعا لا تحسد عليه، فقد قبلت خارطة الطريق باعتبارها قابلة للتنفيذ وليست مجرد إطار تفاوضي يطرح فيه كل جانب تحفظاته. كما أن هذه الحكومة تواجه اختبارا صعبا من شارون الذي ينتظر منها وقف العمليات الفدائية ونزع سلاح الانتفاقضة.

وقد أقر وزير الإعلام الفلسطيني نبيل عمرو بالمأزق الذي تواجهه حكومة أبو مازن حين قال إنه "إذا لم تكن الموافقة السياسية مصحوبة بترتيبات على الأرض فإن الموقف سيبقى صعبا بالنسبة لنا، ولا مفر من تلبية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني إذا كانت إسرائيل تريد تحقيق سلام طويل المدى".

ولذلك يجب عدم الإسراف في التفاؤل بشأن نتائج قبول الإسرائيليين لخارطة الطريق، فالخطة تحولت ببساطة إلى مجرد ملامح عامة يسترشد بها المفاوضون الذين عادوا تقريبا إلى نقطة البداية وهي الدخول في دهاليز التفاوض بشأن قضايا أدت قبل ذلك لانهيار تام في عملية التسوية.

___________________________

الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة