جزائري يحفر وحيدا بين الركام بحثا عن ناجين (رويترز)

محمد عبد العاطي*

الزلازل كارثة طبيعية لا تعرف الحدود السياسية، فالأرض التي نعيش عليها تتعرض لمليون زلزال سنويا، منها مائة على الأقل ذات قوة تدميرية عالية.

ومن بين مدن العالم الخمسين الأسرع نموا تقع 40 مدينة في مناطق معرضة لزلازل بصورة مباشرة. ومنطقتنا العربية تحديدا ليست بعيدة عن هذا الخطر فأغلب دولها تقع في نطاق الخطر الزلزالي، كان آخر ذلك ما شهدته الجزائر الأربعاء الماضي وأسفر حتى الآن عن أكثر من ألفي قتيل.

التقرير التالي يتناول مشكلة الزلازل عبر التعريف بها وكيفية حدوثها وقياسها وتوزيعها على خريطة العالم وموقع الدول العربية من بؤر الخطر، وينظر في الفوائد التي تعود على البشرية من هذه الزلازل رغم وجهها التدميري المعروف. وسنبحث في تقرير قادم كيفية إدارة الحكومات العربية للأزمات الناجمة عن الكوارث الطبيعية وبالأخص ما يتعلق منها بالزلازل.

الزلازل وكيف تحدث
تحدث الزلازل نتيجة لحركة ألواح الغلاف الصخري للأرض. وهذه الحركة إما أن تكون متباعدة عن بعضها أو مصطدمة مع بعضها أو منزلقة عبر حدودها، وتنطلق من أعماق مختلفة، وتتوقف قوتها على هذا العمق الذي تنشأ منه.

ومن صفات الأرض الأساسية أنها ذات صدع، فهناك شبكة هائلة من الصدوع تمزق الغلاف الصخري للأرض وتحيط به إحاطة كاملة يشبهها العلماء بخط اللحام على كرة التنس.

هذه الشبكة تمزق الغلاف الصخري للأرض إلى عدد من الألواح يبلغ 12 لوحا تقريبا. هذه الألواح تطفو فوق طبقة لدنة شبه منصهرة عالية اللزوجة وعالية الحرارة، وحينما تدور الأرض حول محورها أمام الشمس تؤدي إلى انزلاق هذه الألواح فوق هذه الطبقة اللزجة مما يؤدي أحياناً إلى تباعد الألواح بفعل تيارات الحمم الصاعدة من أسفل إلى أعلى.

وفي المناطق التي تهبط فيها تيارات الحمم تؤدي إلى تصادم بعض هذه الألواح مع بعضها، وهو ما يؤدي إلى وقوع الزلازل.

وهناك كذلك علاقة بين استخراج النفط في منطقة ما وحدوث اهتزازات زلزالية، حيث يؤدي استخراج النفط إلى تضاغط طبقات القشرة الأرضية مما يحدث شيئا من التصدع فينجم عنه الهزات الأرضية. غير أن أغلب شركات النفط تحاول التغلب على هذه المشكلة بتعويض ما تستخرجه من نفط بضخ مياه البحار مكانه.

التنبؤ بالزلازل
لا يمكن للإنسان أن يتنبأ بوقوع الزلزال بطريقة يقينية علمية صحيحة، ولكن هناك عدة طرق يستطيع عن طريقها التنبؤ -إلى حد ما- بأن شيئا ما خطيرا سيحدث للقشرة الأرضية. ومن هذه الطرق:

- أجهزة الرصد الزلزالي "سازموغراف" التي تقيس باستمرار وعلى مدار الساعة أي اهتزازات في سطح القشرة الأرضية حتى لو كانت ناجمة عن حركات القطارات أو الشاحنات. وعن طريق هذا الرصد يمكن ملاحظة أي تغيرات تنبئ بقرب وقوع هزة أرضية.

- ظهور بعض المنحدرات أو الشقوق أو التصدعات في جزء من القشرة الأرضية في منطقة ما.

- يستدل العلماء بقرب وقوع هزات أرضية عن طريق اختلاف مقادير المياه في الآبار أو الخلجان، وأيضا عن طريق تصاعد بعض الغازات مثل غاز "الرادون" لا سيما في المناجم والمحاجر.

- وأخيرا هجرة بعض الحيوانات بطريقة مفاجئة.

مقياس ريختر
يقيس العلماء قوة الزلازل على مقياس ريختر المقسم إلى تسع درجات. والإنسان في العادة لا يشعر بالدرجتين الأولى والثانية وإنما يبدأ شعوره بالهزة الأرضية إذا بلغ مؤشر مقياس ريختر ثلاث درجات.

ولتقريب معنى الثلاث درجات يسوق العلماء المثال التالي: يمكن للإنسان العادي أن يشعر بهزة أرضية إذا تعرضت المنطقة التي يوجد فيها لتفجير كمية من مادة تي إن تي تبلغ 180 كلغ.

ولربما يخيل لبعض الناس أن الهزة التي تبلغ ثلاث درجات على مقياس ريختر هينة، لكن الأمر يختلف إذا علم أن هذه الدرجات الثلاث تعادل في قوتها ما تحدثه كمية من متفجرات مادة تي إن تي تبلغ 20 مليون طن!

أحزمة الزلازل في العالم
كثيرة هي أحزمة الزلازل في العالم، وبإطلالة سريعة عليها يتضح أن منطقتنا العربية ليست بعيدة عن هذه الأحزمة المخيفة.

حزام النار: وهو حزام الزلازل المار بجنوب أوروبا ويمتد حتى الصين.

حزام التلاقي بين أوروبا وأفريقيا: وهو حزام يعبر شرق البحر الأبيض المتوسط بدءا من سواحل تركيا وبلاد الشام مرورا بمصر ودول المغرب العربي.

حزام الأخدود الأفريقي الشرقي: ويمتد من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وسلاسل جبال غرب البحر الأحمر حتى إثيوبيا والكونغو.

الحزام الآسيوي الأوروبي: وهو حزام يمتد بين جبال الهملايا والألب مارا بباكستان وإيران والعراق وجمهوريات الكومنولث الآسيوية حتى يصل أوروبا.

الحزام الأخطر: وهو أخطر أحزمة الزلازل في العالم أجمع ويمر حول المحيط الهادي من الشرق إلى الغرب، أو من اليابان إلى سواحل الولايات المتحدة، وهو المتسبب في ثلاثة أرباع ما يقع في العالم من زلازل.

الدول العربية المعرضة لمخاطر الزلازل
كما يتضح من العرض السابق فإن أكثر الدول العربية معرضة لمخاطر الهزات الأرضية ولكن بدرجات ونسب مختلفة. وهناك أكثر من نصف عدد الدول العربية يقع في مناطق نشاط زلزالي مباشر مثل سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر ودول المغرب العربي إضافة إلى اليمن. وتتعرض هذه الدول بالفعل بين الحين والآخر لزلازل مدمرة، فالذاكرة لا تزال تعي الزلازل التي وقعت في خليج العقبة وضربت مصر وامتدت آثارها إلى الأردن في الأعوام 1955 و1969 و1983 و1992 و1995 و1996، وزلزال الجزائر عامي 1980 و2003، وزلزال ذمار في اليمن عام 1982، وليبيا عام 1964.

فوائد الزلازل
الزلازل ليست شرا محضا كما يظن الكثيرون، والأمر يتوقف على زاوية النظر إليها، فلولا هذه الهزات الأرضية التي تحدث لانفجرت الأرض كقنبلة نووية هائلة، فهي نوع من أنواع تنفيس الطاقة الزائدة في داخل القشرة الأرضية وما دونها.

هذا بالنسبة للفائدة المادية المباشرة على الأرض، وهناك من يراها بمنظار آخر فيعتبرها كما يقول عالم الأرض البارز الدكتور زغلول النجار بأنها "جند من جنود الله يسخرها عقابا للمذنبين وابتلاء للصالحين وإنذارا للناجين". ويقول إن البشرية إذا لم تأخذها بهذا المنظار فلن تستفيد منها أبدا.
_____________
الجزيرة نت
المصادر:
1- الدكتور صلاح الحديدي، الباحث والخبير بشؤون الزلازل في المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان، مصر، حوار خاص أثناء إعداد التقرير.
2- الدكتور زغلول النجار أستاذ علم الأرض، الجزيرة، بلا حدود، أخطار الزلازل والبراكين على العالم الإسلامي.
3- رمسيس ناشد حنا ألبرت، رئيس شعبة الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان، مصر، الأهرام 14/10/2001.

المصدر : الجزيرة