آثار الدمار تظهر على القصر العباسي في بغداد

سعيد إحميدي- بغداد

يتألق في جانب الرصافة من بغداد بجوار القصر العباسي بيت الحكمة الذي يطل على نهر دجلة. ويعد واحدا من أبرز مراكز البحث في العراق قبل أن تأتي عليه الحرب وما بعد الحرب من تدمير وتخريب. الجزيرة نت كانت هناك وسجلت ما تبقى من تلك القصور التاريخية التي تشير لحضارة العراق.

ولم ينج هذا المبنى الجميل في حلته المعمارية المتميزة ومسحته الجمالية التي تتألق في ممراته وأروقته وحدائقه وقاعاته ومتحفه التي تجمع بين عظمة الماضي وبهاء الحاضر, من عمليات النهب والسلب والتخريب المتعمد والحرق الذي دمر بعض قاعاته.

وفي جولة لنا في أروقة البيت الذي عاث فيه الناهبون سرقة وتدميرا قبل أن يتم حرقه رأينا النيران وقد أحالت قاعة كان يجلس الملك فيصل في منصتها العلوية إلى كومة من الرماد استحال علينا دخولها.

وأثناء السير في ردهات وممرات المبنى تجد الأوراق المبعثرة وما تبقى من الكتب تغرق الأرض والأجهزة التي صعب حملها مخربة ومقاصة ضخمة صعب أخذها وقد فتحت قسرا ونهب ما فيها من أموال نقدية وغيرها. وقالت موظفة في البيت والحسرة تدمي قلبها "من الممكن أن يعود بيت الحكمة للعمل مجددا ولكن الذكريات لا يمكن أن تمحى". وتقف محدثتنا مع عدد من الموظفين والموظفات الذين عادوا إلى أعمالهم وقد هالهم المنظر وهم يحاولون عبثا إنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة ترتيب ما تبقى.

مشهد من الدمار الذي حل بقاعة الفنون بالقصر
ويقدر حجم الخسائر والأضرار التي لحقت بالمبنى من أثاث ثمين وأجهزة حاسوب وبدالة هواتف وناسخات فضلا عن الديكورات وغير ذلك بنحو 100 مليون دولار بحسب موظفة الحسابات السابقة في بيت الحكمة. وقالت "إنها ليست مبالغة، بقدر ما هو إقرار للنفائس التي احتواها البيت"، فضلا عن خسائر تقدر بنحو 70 مليون جراء سلب وحرق الكتب النفيسة وبعض القطع الأثرية التي يضمها البيت في أروقته ويعود تاريخها إلى أكثر من قرن وتنتمي إلى أولى حضارة العراق الحديث.

جذور تاريخية
ولبيت الحكمة جذور تضرب في التاريخ وتعود إلى الأربعينات من القرن الثاني الهجري (في الستينيات من القرن الثامن للميلاد) عندما شرع الخليفة محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور في بناء القصر المعروف باسمه في الجانب الشرقي من بغداد بجوار جامع الرصافة الكبير عام 145 للهجرة المقابل 770 للميلاد.

واستطاع بيت الحكمة في حلته الجديدة التي أقيم عليها عام 1980 أن يحتضن شتات الأمجاد التي انحدرت إليه عبر رحلة طويلة شاقة من قصر تناوب عليه الأمراء والحكام إلى المدرسة العلية فمدرسة الصنائع مع إضافة أول مطبعة حديثة في بغداد لتصدر جريدة الزوراء قبل قرن ونصف القرن في عهد الدولة العثمانية إلى مرآب لسيارات الاحتلال الأميركي.

وفي عهد الملك فيصل الأول أعيد تعمير مكتب الصنائع وتأثيثه ليصبح قصرا فخما ومقرا لإقامة الملك وعائلته وظل يشغله حتى وفاته عام 1933، ثم تحول إلى مبنى لمجلس الأمة بنوابه وأعيانه، وفي الثورة التي أطاحت بالحكم الملكي عام 1958 تحول المبنى إلى محكمة عسكرية ولم يمض سوى خمس سنوات حتى تحولت إلى متحف حربي لعرض نفائس المعدات وذخائر الأسلحة. إلا أن المبنى تحول عام 1977 إلى قصر للثقافة ليتماثل مع دور البناية بالأساس كقصر عباسي ومدرسة مملوكية.

المدرسة المستنصرية في بغداد
وحل بيت الحكمة محل قصر الثقافة في عام 1995 وبدأ عمله الحقيقي بعد عامين واستطاع خلال مسيرته الثقافية على مدار خمس سنوات أن يسد فراغا ثقافيا وفكريا في الساحة وأن يصبح منبرا للآراء والأفكار.

ويعتبر بيت الحكمة مؤسسة فكرية ثقافية تضطلع بالعديد من المهام الثقافية منها إصدار مجلات شهرية وفصلية، وكل قسم علمي من أقسامه التسعة يصدر مجلة فصلية. والأقسام هذه تتنوع بين تاريخية وفلسفية واقتصادية وإسلامية وقانونية. كما يعقد البيت مؤتمرات وندوات وحلقات نقاشية يستضيف فيها كبار الباحثين والعلماء.

ترميم
يقول الأمين العام لبيت الحكمة الدكتور عدنان ياسين مصطفى إن أضرارا كبيرة لحقت بالمبنى وأحالته إلى الدمار. ودعا القوات الأميركية إلى توفير الحماية للمبنى لمنع سرقة ما تبقى –رغم أنه لم يتبق ما يمكن سلبه بسهولة- وقال "على الرغم من أننا ما زلنا في انتظار معلومات دقيقة، فإنه من الواضح أن كارثة قد حلت بالتراث الثقافي للعراق".

وأشار إلى زيارة المستشار الثقافي الأميركي السفير لامبرت لمقر بيت الحكمة، والطلب من الموظفين القائمين على إدارة البيت تقدير حجم الأضرار وطرح خيارات لاستئناف العمل.

وأردف يقول في تصريح للجزيرة نت "نأمل أن يكون بإمكان الحكومة الأميركية والمجتمع الدولي التحرك بسرعة لاتخاذ خطوات لتفادي إلحاق المزيد من الأضرار (بالتراث الثقافي للعراق) وتمهيد الطريق أمام استعادة البيت لنشاطه الفكري والثقافي، وللحفاظ على تلك التي مازال من الممكن أن ترمم".

وقال ياسين إنه بعد اجتماعه بعدد من مسؤولي الأقسام والموظفين فإنهم اتفقوا على خطة من ثلاث مراحل الأولى طارئة وتقتصر على التزود بالأثاث والأجهزة بحدها الأدنى للعمل، والثانية تقوم على ترميم بعض ما دمر، أما الثالثة فهي طويلة أمد الإصلاح.

القصر العباسي
وانتهت بنا الجولة التي تمت برفقة ناجي عبد الكريم، وهو موظف في بيت الحكمة، إلى القصر العباسي الملاصق لوزارة الدفاع التي دمرت إلا أن القصر بقي شامخا.

وهالنا بشدة وجود مجموعة من الشبان وهم يبحثون عن أي شيء يمكن سرقته من القصر الذي استطاع الحفاظ على تراثه وجمال بنائه رغم ما لحق به من ضرر بسبب أعمال النهب. وعبثا حاول حارس القصر إبعادهم وهم يحاولون سرقة قطع كهربائية تمد القصر بالكهرباء المفقودة في بغداد.

وتمتم عبد الكريم بصوت خافت بكلمات فهمنا منها أنه قذف السارقين بكلام جارح لعجزهم عن تقدير ما يفعلون بكنوز أعظم حضارة مرت على بغداد عاصمة العباسيين.
_______________

موفد الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة