عزمي بشارة: ما حدث للجزيرة وأبو ظبي فخر للإعلام العربي
آخر تحديث: 2003/4/8 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/2/7 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/4/8 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/2/7 هـ

عزمي بشارة: ما حدث للجزيرة وأبو ظبي فخر للإعلام العربي

حوار/ محمد عبد العاطي*

عزمي بشارة

هل ما حدث أمس محاولة لبث الرعب في قلوب الصحفيين لإجبارهم على مغادرة بغداد تمهيدا لعمليات تنوي القوات الأميركية والبريطانية القيام بها بعيدا عن أعين الرأي العام العربي والعالمي؟ وكيف ستتفاعل هذه القضية داخل أوساط الرأي العام الأميركي خلال الأيام القادمة؟ وهل ستغير وسائل الإعلام الأميركية من تغطيتها للحرب على العراق لتشابه تغطيتها لحرب فيتنام فتساعد على إيقافها؟.

هذه الأسئلة يجيب عنها الدكتور عزمي بشارة الذي يعتبر واحدا من أبرز المفكرين العرب فهما للعقلية الغربية عموما والأميركية على وجه الخصوص.

كيف تنظر إلى حادثة قصف مكتبي قناة الجزيرة وأبو ظبي ومقتل وجرح عدد من الصحفيين العرب والأجانب اليوم في بغداد؟

أنظر إليه على أنه شهادة فخر توضع على صدر الإعلام العربي الذي خرج من عباءة التمويه ومحاولات التضليل وطمس الحقائق عن الإنسان العربي إلى حضور جاد يقوم بعملية تنوير للفكر ونشر للعلم والمعرفة وفضح للحقائق المخبوءة.

لأول مرة في هذه المرحلة التي نعيشها منذ بدأت الحرب على العراق ورغم بعض المزايدات والتهريج فقد لعب الإعلام العربي دورا تنويريا موازنا للإعلام الغربي إلى درجة جعلته مصدرا للمعلومات في العالم الغربي نفسه الذي يعاني من تقارير إعلامية تنقصها الموضوعية لأنها تأتي من صحفيين ملحقين بالقوات الأميركية والبريطانية.

وأصبح لذلك الإعلام العربي وعلى رأسه الجزيرة مصدرا مهما لمعرفة ما يجري من تجاوزات على يد قوات العدوان الأميركي والبريطاني في العراق. ولذلك لا شك لدي أن هؤلاء الصحفيين مستهدفون وليست هذه أول مرة تتعرض لها الجزيرة لمثل هذه الأعمال، فقد سبق أن تعرض مكتبها في كابل للقصف بسبب تغطيتها للحرب الأميركية على العراق.

هل تخبئ الأيام القادمة شيئا ما تريد القوات الأميركية والبريطانية أن تخفيه عن الرأي العام العربي والعالمي؟

نعم، ولا شك لدي في ذلك على الإطلاق، فأنا أكاد أجزم بأن العدوان مقصود ويهدف ليس للانتقام من الجزيرة وأبو ظبي وغيرهما فحسب وإنما لتفريغ بغداد بأكملها من الصحفيين، إنهم لا يريدون صحفيين في بغداد لأنهم يعدون في ما يبدو لحرب قاسية إلى درجة أنهم من الصعب تمرير هذه الحرب إذا بثت مشاهدها. لأنه إذا بثت مثل هذه المشاهد وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فإنها ستمثل عائقا أساسيا في مسيرة هذه الحرب.

السؤال هنا وأنت لك باع طويل في فهم العقلية الغربية؟ كيف ستتفاعل هذه القضية داخل الرأي العام الأميركي على وجه الخصوص؟

نحن بدأنا نلمس بالأمس الموجة الثانية من إحراج رمسفيلد، كانت الموجة الأولى إبان معركة أم قصر والناصرية عندما تبين أن التقارير الأميركية ليست دقيقة وحدث في حينه تحول حتى في تقارير الفضائيات العربية وفي لهجتها خاصة بعد صمود وحدات قليلة من المقاومة العراقية في أم قصر وعلى مداخل الناصرية مما كان له تأثير إيجابي.

الآن الموجة الثانية من إحراج رمسفيلد بدأت وتحديدا بالأمس خاصة في ما يتعلق بفضح ما يخططه مع أطراف من المعارضة العراقية لفرضها على العراق. وبدء التآكل في نظرية الديمقراطية الأميركية في العراق.

باعتقادي استشهاد الزميل طارق أيوب ومصور رويترز وغيرهما سيحدث الموجة الثالثة من الإحراج للإدارة الأميركية، وسوف نشهد ذلك لأنه لن يصدق أحد مرة أخرى أن تحميل المسؤولية يجب أن يكون على الطرف العراقي باعتباره يمثل الشر المطلق.

هنالك اتهام وهنالك استهداف لفندق واضح أن فيه صحفيين ومُعلَّم على الخارطة وسيصعب على الصحفيين تصديق الرواية الأميركية خاصة أن الصحفيين لم يكونوا في المعركة كما كان يحدث للصحفيين في فيتنام حينما تعود الرأي العام الأميركي أن يسمع عن مقتل صحفيين هناك كانوا مرافقين للوحدات الأميركية إبان تلك المعارك.

الصحفيون الحاليون في العراق يقيمون في فندقهم -ومن المفروض أن يكونوا هناك- وفندقهم يقع في منطقة واضحة وكان يجب ألا تقصف. أما التبرير الذي اعتدنا سماعه أن المنطقة كلها منطقة حرب خطرة فإنني أتساءل: لماذا لم يقتل العراقيون حتى الآن أي صحفي؟ لم يحصل هذا قط رغم أن هؤلاء يقاتلون وهؤلاء يقاتلون.

الإجابة في اعتقادنا لأن هنالك جزءا من الإستراتيجية الأميركية وهي أن تكون هذه الحرب غير انتقائية في القصف بحيث يدب الرعب في قلوب الشعب العراقي والصحفيين. ومن هنا سميت العمليات العسكرية "الصدمة والرعب".

هل تتخوف الإدارة الأميركية الحالية بالفعل من ردود الأفعال الغاضبة خاصة داخل أوساط الصحفيين غير الموالين لها؟

ليس لدي شك أن هؤلاء المخططين في السياسة الأميركية يمقتون الصحافة والصحفيين في العالم، لأنهما يقيدان إستراتيجيات عمل الدولة في حقبتهم، وهم عموما يمقتون الصحافة والصحفيين حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، هم لديهم موقف من الصحافة باعتبارها معوقا وباعتبارها تكثر من الكلام والأسئلة. والأمثلة الأقرب إلينا الآن هي هجوم صحيفة النيويوركر مؤخرا على رمسفيلد وهجوم النيويورك تايمز على بيرل واضطراره للاستقالة نتيجة استغلال منصبه في علاقات مالية، كلها أمور تدل على أنهم يمقتون الصحافة، لذلك لا رمسفيلد ولا تشيني ولا وولفويتز ولا بيرل يتمتعون بأي شعبية في الصحافة الأميركية.

وليس هذا بالجديد فمنذ العام 1992 أي منذ صدور أول أوراق أدبية تتحدث عن فكرهم والصحافة تشكك في مواقفهم وهوسهم وجنونهم. إذن هم لديهم موقف سلبي أصلا من الصحافة لذا لا يعيرونها اهتماما.

ألا تخشى الإدارة الأميركية على مصداقيتها حينما تدعو العالم العربي إلى الديمقراطية وهي في الوقت نفسه لا تستطيع تحمل رأي مغاير تبثه قناة الجزيرة على سبيل المثال؟

الإدارة الأميركية لديها موقف سلبي أصلا من قناة الجزيرة ومحاولاته "الدنكشوتية" على حد تعبيرهم أن تبني هذه القناة صحافة عربية مستقلة.

الإدارات الأميركية ومهما تشدقت بالديمقراطية تعتقد أن العرب والديمقراطية نقيضان، هذه الإدارات تتحدث في ما يجب أن تكون عليه بلادنا من ديمقراطية لكنها في قرارة نفسها تؤمن بأن العرب لا تناسبهم الديمقراطية ولا الصحافة المستقلة. ولذلك كلنا نتذكر أيضا موقفهم من قناة الجزيرة إبان الحرب في أفغانستان.

هل تعتقد أن قناة الجزيرة يمكن أن تلين في نهاية المطاف من كثرة ما تتعرض له؟

هذه المواقف وهذه الضغوط لن تثني لا الجزيرة ولا أبو ظبي عن الخط الذي انتهجتهما في تغطية الأحداث، فأنا أعرف ومن خلال لقائي بقادة هذه الدول شخصيا أن الأميركان حاولوا مرارا وتكرارا أن يضغطوا ويحرجوا هؤلاء القادة لكنهم لم يستجيبوا لهم.

معلوماتي أن محاولات أميركية تمت مع سمو أمير قطر شخصيا ومع سمو الشيخ زايد مباشرة وجرت محاولة الضغط ولم تحدث استجابة، أنا باعتقادي أن التنافس بين وسائل الإعلام العربية لإحضار الخبر الأفضل للمشاهد تغلب على الضغط الأميركي وعلى الحسابات السياسية.

وهذه مدرسة بدأتها الجزيرة وهذا فخر لها والآن بدأت تتوسع هذه المدرسة، وبرأيي أن الإدارة الأميركية الآن في أزمة لأنهم حتى وإن هاجموا الجزيرة وأبو ظبي فإنهم لا يستطيعون مهاجمة الصحافة العربية المستقلة أو المهنية ويتشدقوا في الوقت نفسه بعزمهم نشر الديمقراطية في العالم العربي. عموما فإن أياما صعبة من الإحراج من كل وسائل الإعلام النزيهة في كل مكان في العالم تنتظر هذه الإدارة.
_______________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة