قوات أميركية داخل مطار صدام

حوار/ محمد عبد العاطي*

تطورات عسكرية سريعة ومفاجأة شهدتها بغداد والبصرة خلال الساعات الماضية. ففي البصرة شوهدت الدبابات البريطانية تجول بين مبانيها وعلى شوارعها الرئيسية. وفي بغداد وقعت عمليات كر وفر أميركية في أجزاء لها أهمية رمزية، ولا تزال المعارك الضارية دائرة حتى الآن.

فكيف يقرأ العسكريون هذه الأنباء؟ لماذا توسعت عمليات التوغل البريطانية إلى البصرة بهذه الدرجة؟ وكيف حدث اختراق لبعض دفاعات بغداد؟ وهل تستطيع الصمود في وجه هذه المحاولات المتتالية؟

العميد المتقاعد والخبير العسكري والإستراتيجي اللبناني سلامة سليمان يجيب عن هذه الأسئلة.


بعين العسكري صاحب الخبرة السابقة في حرب المدن بلبنان، كيف تلقيت أنباء هذا الصباح التي تتحدث عن توغلات بريطانية في مدينة البصرة ومحاولة اختراق أميركية لبعض مناطق بغداد؟

هذه كلها محاولات لجس نبض الدفاعات العراقية ومعرفة مصادر القوة النارية لها لمحاولة إسكاتها فيما بعد، وسوف تتكرر. وهي كذلك رسائل معنوية تهدف إلى إحداث هزة نفسية لدى القوات المسلحة العراقية.

لكن كيف تفسر هذا الاختراق غير المتوقع؟

هذا يعني أن الدفاعات العراقية سواء في بغداد أو في البصرة قد أصابها نوع من الإرهاق نتيجة القصف المتواصل الذي استمر 18 يوما حتى الآن.

فبالنسبة لبغداد فمعروف أنها مدينة مترامية الأطراف، وكان مقررا أن تعمل فيها وحدات الحرس الجمهوري المكون من أربع فرق، هذه الوحدات قد استهلك منها على حسب ما فهمنا ما بين 40-50% في قتال خارج بغداد وفي القصف الجوي والصاروخي. ويدافع عنها حاليا مجموعات مختلطة من المليشيات وعناصر مدنية متحمسة وفدائيي صدام والقوات النظامية ومنها الحرس الجمهوري، ويبدو أنها تعاني حاليا من مشكلات تموينية سواء في الذخائر أو في التغذية أو على مستوى التنسيق الميداني تؤثر عليها. لكن ينبغي التأكيد هنا على بسالة المقاتل العراقي في الدفاع حتى الآن رغم مواجهته لآلة عسكرية لم يسبق لها مثيل في التاريخ العسكري هي الآلة الأميركية تدعمها وتمدها ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم هي القوة البريطانية.


سيادة العميد، أصاب المتابعين نوع من الدهشة فور تلقيهم أنباء توغل القوات البريطانية في مدينة البصرة، ثم تحولت هذه الدهشة إلى شيء من الصمت المشوب بالتعجب حينما تلقوا أنباء المحاولات الأميركية للتواجد في بعض الأماكن بقلب بغداد قبل أن ينسحبوا بفعل المقاومة العراقية، فماذا يعني ذلك؟ هل يعني أن معركة بغداد قد بدأت بهذه السرعة؟

أنا مثلك ثارت في ذهني العديد من الأسئلة حينما استمعت إلى هذه الأنباء، وتساءلت: في حال تشديد الخناق على بغداد هل هناك إمكانية نقل عناصر من المنطقة الشمالية وراء كركوك وقرب تكريت لمساندة قوى الدفاع عن بغداد ومنع تطويق هذه العاصمة العربية الكبيرة من جهة الشمال؟ لكني أعود فأقول لنفسي إن هذا أمر صعب في ظل التفوق الجوي الأميركي.

لاحظنا -سيادة العميد- غياب أي دور للطيران العراقي حتى الآن، بماذا تفسر هذا الأمر؟

وهذا أيضا تساؤل بالنسبة لي كبير وعلامة استفهام لم أستطع فهمها حتى الآن.. أنا أعلم أن الطيران العراقي مخبوء في أقبية تحت الأرض. وقد جاءت عدة فرص لاستعماله ولو جزئيا في الأماكن المحيطة لبغداد في معركة مطار صدام الدولي أو في منطقة الدورة القريبة والمكشوفة على سبيل المثال. وكان يمكن من وجهة نظري استعمال هذا الطيران ولو بنسبة 10 أو 20% مما لدى العراق من طائرات والبالغة حوالي 300 طائرة. صحيح أن هذه الطائرات تعاني من قلة قطع الغيار والصيانة منذ 12 عاما بسبب الحصار، لكن ألا يوجد بينها ولو 10 أو 20 طائرة صالحة يستطيع طياروها القيام بعمليات عسكرية أو استشهادية قبل أن تكشفها الرادارات الأميركية حيث إنها في النهاية يمكن ألا يكون لها فائدة بعد ذلك.

في ظل غياب المعلومات الميدانية عن دقة الضربات الأميركية للبنى العسكرية الأساسية في بغداد، بحسب خبرتك كيف نستطيع الاقتراب من حقيقة ما يجري على الأرض؟

من الطبيعي بعد كل هذا القصف لاسيما بعد أن دخلت المدفعية إلى جانب الطائرات والصواريخ وصارت العمليات العسكرية بهذه الكثافة، فإن هناك نوعا من أنواع إرباك الحركة والإرهاق وشل المواصلات والاتصالات لدى الطرف العراقي.

وقد ظهر ذلك بوضوح بعد ضرب الاتصالات المدنية التي جعلت العراقيين يعتمدون في عملياتهم الميدانية المركزية بصورة أساسية على شبكات اللاسلكي التي بلا شك تعاني هي أيضا.

يضاف إلى كل ذلك مسألة صعوبة التموين في الذخيرة والإمدادات الغذائية للقوات العراقية في مدينة بغداد الكبيرة نتيجة القصف المتواصل ليلا ونهارا بكافة أنواع الأسلحة. لهذا كله يصبح الرهان في انتصار الدفاعات العراقية خاصة عن بغداد يعتمد على مدى تماسك هذه الدفاعات ومدى التنسيق فيما بينها لسد أي ثغرة.

ولو صحت الأنباء التي نسمعها من الطرف العراقي خاصة على لسان وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف بأنهم دمروا الدبابات التي حاولت دخول بغداد، فإن معنى ذلك أن مما يبشر بالأمل أنه لا يزال لدى بغداد احتياطات دفاعية متحركة تستطيع التدخل، ولا يزال الاتصال اللاسلكي فيها مؤمنا.

إذا كانت القوات البريطانية قد حققت بعض السيطرة على أجزاء من البصرة، كيف تنظر إلى أهمية هذا العمل من الناحية العسكرية؟ وما مدى تأثيره على معركة بغداد؟

إذا استتب الوضع لها في البصرة فإن جزءا من هذه القوات ستنتقل للمشاركة في معركة بغداد. وأنباء البصرة صبيحة اليوم يمكن أن تؤثر معنويا إلى حد ما على الجيش العراقي في أماكن أخرى. وينبغي الإشارة هنا إلى أن المقاومة في البصرة تعاني بالتأكيد من قلة الإمداد والتموين بعد فرض الحصار عليها. ويبدو أن الكثير من الأهالي هناك باتوا مقتنعين بأن مقاومة كبيرة من قبلهم للمحتل البريطاني يمكن أن تجر عليهم مزيدا من الدمار كما حدث في الناصرية والحلة فالتزم بعضهم الحياد.

كيف تحلل عسكريا ما جرى في معركة مطار صدام الدولي؟

وقع من العراقيين هجوم معاكس على المطار أبعدوا خلاله الأميركيين، لكنهم لم يستطيعوا البقاء هناك دون غطاء جوي حيث ستتزايد خسائرهم هناك بصورة كبيرة فانسحبوا، فقامت القوات الأميركية بهجوم مضاد أخذوا من خلاله المطار دون قتال جديد.

وأتوقع أن يستمر هذا الأمر -الكر والفر- في العلميات الدائرة في أماكن متعددة من العراق: محاولات خرق وارتداد وجس نبض باستطلاعات نارية، ومحاولة معرفة أماكن القوة المدافعة ليسهل ضربها فيما بعد بالطيران أو المدفعية الثقيلة.

إذا كانت معركة بغداد قد بدأت بهذا الكر والفر الذي تتحدث عنه، ففي تقديرك ما المدة التي تستغرقها هذه المعركة للقول إن طرفا ما انتصر على الطرف الآخر؟

معركة بغداد يمكن أن تطول إلى أكثر من أسبوع أو أسبوعين، وإذا صمدت بغداد هذه المدة فإنها تستطيع أن تصمد شهرا أو شهرين، وهنا تكون الدفاعات قد أثبتت أنها قوية.

أما إذا حدث خرق -وهذا سوف يتضح خلال الـ48 ساعة القادمة- باستعمال أسلحة مدرعة ومشاة في في عدة محاور قريبة من بعضها تعمل على شكل كماشة على الأحياء السكنية وتنظفها رويدا رويدا مع تحمل بعض الخسائر وتكون قد أمنت رأس جسر في جنوب وغرب بغداد، فمعنى ذلك أنها ستؤمن لنفسها قاعدة ثابتة تتعمق من خلالها في بغداد. ويبقى هنا دور أنتظره يمكن أن يحدث تأثيرا موجعا للقوات الأميركية بصواريخ ستيرلا الروسية الصنع التي أعلم أنها موجودة لدى القوات العراقية ويمكنها عن طريق التتبع الحراري أن تصيب طائرات الأباتشي الأميركية.

سؤال أخير: ماذا عن الجهة الشمالية هل يمثل التعاون الكردي الأميركي الذي بدأ ينشط عسكريا يوما بعد يوم، تهديدا حيويا مباشرا في معركة بغداد؟

الأكراد يعتقدون بأن الأميركيين مخلصون لهم.. إنهم يُستعملون من قبل الأميركان مثل "محرمة كلينكس" تمسح بها وترميها. الأميركان يضعونهم في خطوط التماس مع العراقيين لاستهلاكهم واستعمالهم خلال وقت معين لتثبيت القوة العراقية على خطوط التماس، ويقدم الأميركان لهم بعض الدعم الناري عن طريق الجو وعن طرق الصواريخ وغيرها حتى تظل الجبهة الكردية متماسكة.

لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل سيحصلون على نفط كركوك؟ هذا خط أحمر تركي وأميركي. هل سيحصلون على دولة مستقلة ضمن منطقة جبلية ليس فيها مياه وليس فيها مورد اقتصادي سوى نفط كركوك وموجودة بين دول كبرى تناصبهم العداء ولا تقبل بوجود دولة شبه عنصرية بين إيران والعراق وسوريا وتركيا، دولة مبنية على عنصر كردي فقط وليس لها منفذ على البحر، حتى التجارة منعدمة والزراعة منعدمة والصناعة منعدمة؟

لذلك إذا كان الأكراد يأملون من مساعدتهم الأميركيين إقامة دولة مستقلة لهم فهذه إستراتيجية خاطئة تماما ستجر عليهم خرابا كبيرا.
_____________
* قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة