جندي أميركي يتعامل بعنف مع أحد المدنيين العراقيين

محمد عبد العاطي*

يبدو أن الأيام المقبلة ستشهد جدلا وحديثا متزايدا وربما مبالغا فيه حول ترتيبات الحكم في العراق بالرغم من أن الحرب لم تضع أوزارها وينكشف غبارها بعد.

فماذا وراء سيل التصريحات هذه؟ هل تدخل ضمن سياق الحرب النفسية والدعائية أم هي استباق للأحداث ومحاولة لتحقيق بعض من أهداف الحملة على العراق ولو في شقها الاقتصادي فقط؟ أم هو خلق لحقائق على أرض المعركة كما هو معروف في الأسلوب الإسرئيلي تجاه الأراضي العربية المحتلة؟.

هذا التقرير قراءة في تصريحات المسؤولين الأميركيين ضمن سياق الحرب العسكرية والإعلامية التي تشهدها الساحة العراقية حاليا.

لم يكن الحديث عن شكل وطبيعة الحكم في حال نجاح الإدارة الأميركية في الإطاحة بالرئيس العراقي وحكومته بهذا القدر من التفصيل كما ظهر خلال اليومين الماضيين، وتحديدا بعد تصريحات مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس أول أمس، وما أدلى به وزير الخارجية الأميركي كولن باول لصحيفة الحياة اللندنية أمس.

كوندوليزا رايس
التصور الأميركي لشكل الحكم في العراق
وخلاصة ما قاله باول ورايس أن العراق سيحكم خلال الأيام القليلة القادمة -سواء سقطت بغداد أم لم تسقط- من خلال مكتب عسكري تابع للبنتاغون يتلقى أوامره مباشرة من القائد العام للعمليات العسكرية الجنرال تومي فرانكس. ومن المقرر كما تقول رايس أن يكون الحاكم العسكري للعراق هو الجنرال المتقاعد جاي غارنر. وحددت مهامه في المرحلة الأولى بتقديم المساعدات "الإنسانية" وتسيير الشؤون الإدارية للعراق.

تلي هذه المرحلة -التي لم يحدد المسؤولون الأميركيون مداها الزمني- مرحلة أخرى تقول رايس عنها إن وزراء عراقيين سيشتركون فيها بمساعدة مستشارين أميركيين في كل وزارة. وتتردد من أسماء الوزراء هؤلاء حتى الآن ليث كبه وأحمد شلبي ومسعود البرزاني وجلال طالباني.

أما عن دور الأمم المتحدة في هذا التصور الذي تريد الإدارة الأميركية أن يشاطر أو يطغى على اهتمام الرأي العام العالمي لما يجري من عمليات عسكرية، فجاء متباينا إذ رفضت رايس أن يكون للأمم المتحدة أي دور مرددة ما يقوله كبار المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية بأن من "حق" الأميركيين الذين قدموا "أرواحهم" ثمنا "لتحرير" العراق ألا يشاركهم أحد في تصورهم لطبيعة الحكم في العراق. أما باول فقال إنه سيكون للأمم المتحدة "دور" خاصة في ما يتعلق بالمساعدات الإنسانية.

بواعث الإسهاب في التفاصيل
هذه خلاصة سيل التصريحات التي بدأت تأخذ حيزا من تغطيات وسائل الإعلام -لاسيما الأميركية منها- منذ أول أمس حتى الآن. والمتوقع أن يزداد الجدل حولها خاصة بعدما أرادت بعض وسائل الإعلام أن تصور أن هناك خلافا "كبيرا" بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير حول طبيعة وحجم الدور الذي يريد كل طرف أن يمنحه للأمم المتحدة في هذه التصورات.

والسؤال المطروح هنا: ما الذي يدفع الإدارة الأميركية إلى الحديث المسهب عن هذه التفاصيل دون أن تضع الحرب أوزارها وتعرف منتهاها؟

التفاصيل تنسي الأهداف الكبرى
خبراء الدعاية والحرب النفسية يقولون إنه في أي حرب كبيرة تخوضها قوة عظمى لها أهداف إستراتيجية واسعة، تحاول هذه القوة دائما أن تشغل الرأي العام باستمرار عن الأهداف الأساسية لهذه الحرب وذلك بشغل المتابعين لها بتفاصيل وتشعيبات كثيرة تجذب قطاعات من الرأي العام المحلي والعالمي وتغري المراقبين لأن يلهثوا وراء كل جزئية جديدة يتم التوصل إليها، حتى تصل في المحصلة النهائية إلى مرحلة التخفيف من حدة النقد الموجه إلى الأسس والمبررات التي ساقتها هذه القوة لشن حربها.
فهل ينطبق هذا على الحالة العراقية حاليا؟

التطبيق على النموذج العراقي
هذه الحرب وكما هو معلوم بدأتها الولايات المتحدة وبريطانيا دون الحصول على موافقة الأمم المتحدة، وبالتالي فهي تفتقد إلى أي شرعية دولية، وكل ما سيترتب عليها لاحقا يعتبر كذلك غير شرعي، سواء أكانت عمليات عسكرية أو ترتيبات سياسية أو تعاقدات اقتصادية...إلخ.

وليس هذا فحسب، فهذا أمر معروف منذ تعثر الإدارة الأميركية في الحصول على أغلبية في مجلس الأمن الدولي تتيح لها استصدار قرار يخول العمل العسكري تلقائيا نتيجة ما تقول إنه فشل من قبل مفتشي الأمم المتحدة في الحصول على أدلة تثبت امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. لكن الأمر الذي بعد عن الأذهان ولو قليلا هو الحديث عن الإستراتيجية الأميركية التي رسمتها إدارة الرئيس بوش وتصورها لموقع الولايات المتحدة نفسها في القرن الحادي والعشرين.

هذه الإستراتيجية التي لم تعد خافية والذي يدخل العدوان على العراق ضمن أحد تفصيلاتها، لم تكن في وقت من الأوقات أشد وضوحها منها الآن في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش.

وقد لخص تصور هذه الإدارة لموقع الولايات المتحدة ما نشرته وسائل الإعلام الأميركية والعالمية مؤخرا تحت عنوان "مشروع القرن الأميركي الجديد" والذي أعدته مجموعة من المفكرين الإستراتيجيين قبل عامين برعاية معهد المبادرة الأميركية ومعهد هدسون.

وأهم نقاط هذا المشروع هي:

  • ضمان التفوق الأميركي المنفرد على العالم في القرن الحادي والعشرين.
  • ولتحقيق ذلك لابد من بناء سياسة هجومية غير اعتذارية، وانفرادية غير مترددة تعتمد بالدرجة الأولى على القوة العسكرية.
  • وكي تصمت أصوات المعارضين في الداخل والخارج فإن هناك حاجة إلى "بيرل هاربر جديدة".

وقد بدأت إدارة الرئيس بوش عهدها متحلية بهذه الروح، لكن الأجواء الدولية لم تكن مواتية. فلم يعد أمام الولايات المتحدة اتحاد سوفياتي يتهددها، فبدأت ببعض السياسات غير العابئة بالاعتراضات الدولية، ومنها على سبيل المثال:

  • انسحاب الولايات المتحدة من بروتوكول كيوتو للمحافظة على البيئة.
  • الانسحاب من معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية.
  • عدم الاعتراف بالمحكمة الجنائية الدولية.
  • الإخلال باتفاقيات التجارة الحرة مع أوروبا.

ثم جاءت تفجيرات نيويورك وواشنطن -أو جيء بها- لتقدم فرصة من ذهب للبدء في تنفيذ مشروع القرن الأميركي الجديد.

ومن هنا وفي هذا السياق يأتي النظر الدقيق إلى العدوان على العراق ككل ثم النظر إلى محاولة الإغراق في تفصيلات شكل وطبيعة الحكم الذي تتصوره الإدارة الأميركية لعراق المستقبل.

أميركيون يطالبون بسحب القوات الأميركية من العراق وإعادتها إلى بلادها أثناء تظاهرة احتجاجا على غزو العراق
وإذا جردنا الصورة من كل التفصيلات يمكن النظر إلى العدوان الأميركي البريطاني الحالي على العراق ضمن سياق النظرة الإستراتيجية العامة لمنطقة الشرق الأوسط عموما على النحو التالي:

  • "تنظيف" المنطقة العربية من أي أنظمة يمكن أن تسبب منغصات لواشنطن ما بعد سبتمبر/ أيلول 2001 وبالأخص أنظمة لا تزال -ولو على مستوى الخطاب الإعلامي فقط- تعارض المشروع الأميركي مثل العراق وإيران وسوريا في المرحلة الأولى.
  • البدء في تنفيذ مشروع القرن الأميركي دون الالتفات لأي معارضة إقليمية أو دولية ودون الاعتماد على مشاركة أحد.
  • تسوية الأرض وتمهيدها كليا لضمان استمرار حفظ أمن إسرائيل من خلال تقليم أظافر الأنظمة سابقة الذكر ومنها أيضا نزع الشرعية الدولية "والإقليمية" عن فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية (حزب الله في ما يخص مزارع شبعا).

هذه هي الإستراتيجية الأميركية التي بدأت بتنفيذ أولى خطواتها العسكرية الحالية في العراق والتي تحاول أن تغرق العالم بتفصيلات كثيرة يلهث المحللون وراءها في محاولة منها للفت الأنظار عن بنودها الأساسية.

تصور رايس والقفز على الأحداث
أما في ما يخص تصريحات كوندوليزا رايس أول أمس فهناك ملاحظات جوهرية لا ينبغي القفز عليها والحديث في شكل وطبيعة الحكم القادم في العراق دون المرور بها. ومن هذه الملاحظات:

  • الحرب الدائرة الآن غير شرعية.
  • كل ما سيترتب عليها من ترتيبات سياسية واقتصادية غير شرعي.
  • العراق لا تزال دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وسائر المنظمات الدولية.
  • الحرب نفسها لم تنته بعد، ومن غير المعلوم لمن سترجح الكفة.
  • من الصعب إقامة حكومة برئاسة جنرال أميركي في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الأميركية حاليا -في حال صحة أنباء هذه السيطرة- تلقى إجماعا من الشعب العراقي أو حتى من معظم فصائل المعارضة التي بدأت ملامح القلق ترتسم على وجوه الكثير من شخصياتها والتي تزداد يوما بعد يوم خاصة بعد المقاومة التي أبداها الجيش والشعب العراقي حتى الآن.

محاولات وضع اليد على حقول النفط والحديث عن عقود بيع نفطية لشركات أميركية من الآن وبهذه السرعة، والتلميح إلى إمكانية عزل بغداد والبدء في فرض التصور الأميركي لطبيعة وشكل الحكم في العراق على بعض المناطق الأخرى، يثير الشكوك بقوة حول أهداف التحرير وإشاعة الديمقراطية والمحافظة على وحدة أراضي العراق التي بشرت بها الإدارة الأميركية الشعب العراقي قبل الحرب وخلال الأيام الأولى لها.
___________
* قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.
المصادر:
1- تداعيات الغزو الأميركي للعراق على خريطة القوى المنطقة، خالد الحروب، مجلة شؤون عربية، مجلة فصلية تصدر عن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، العدد 113 سنة 2003.
2- مقابلة صحيفة الحياة مع كولن باول 5/4/2003.
3- أرشيف الجزيرة نت الإخباري عن تصريحات كوندوليزا رايس وتومي فرانكس وريتشارد مايرز حول طبيعة وشكل الحكم في العراق إذا نجحوا في الإطاحة بالرئيس صدام حسين.

المصدر : الجزيرة