النهب المسلح بالسودان.. هل يتحول إلى تمرد سياسي؟
آخر تحديث: 2003/4/29 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/2/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/4/29 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/2/28 هـ

النهب المسلح بالسودان.. هل يتحول إلى تمرد سياسي؟

*معاوية الزبير


تستحوذ قضية جنوب السودان على جل الاهتمام الدولي بالشأن السوداني بوصفها قضية الصراع الرئيسية في السودان، مهمشة بذلك مشاكل المناطق الأخرى التي تعرف داخليا بالمناطق المهمشة في غرب وشرق وجنوب أواسط السودان في مناطق جبال النوبة ومنطقة البجة وجبال الأنقسنا على التوالي.

فقد بدأ التمرد المسلح في هذه المناطق، بما فيها جنوب السودان، قبل الاستقلال في يناير/ كانون الثاني 1956 لكن قضية جنوب السودان نالت هذا الاهتمام الدولي والإقليمي والمحلي لأسباب عدة يأتي على رأسها كونها قضية انفصال عن الدولة -أو صارت إلى ذلك- على عكس المناطق الأخرى التي تنحصر مطالبها في مسائل اقتسام الثروة والسلطة.

وقد تعاملت الحكومات المتعاقبة في الخرطوم مع مطالب المناطق المهمشة بكثير من التبسيط، خاصة الأحداث في منطقة غرب السودان حيث ظلت تطلق عليها "أحداث النهب المسلح" -وهو على كل حال نتاج سياسة التهميش- بدلا من النظر إلى جذور هذه الأعمال. وقد أفضى هذا التعامل إلى تفاقم الأزمات في هذه المنطقة حتى وصلت إلى درجة مهاجمة المدن والمطالبة بالانفصال، كما حدث مؤخرا في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور.

ومنذ عدة سنوات, تشهد منطقة دارفور مواجهات قبلية وغارات تشنها عصابات مسلحة، إلا أنه لم تظهر فيها أي حركة سياسية مسلحة حتى نهاية فبراير/ شباط عندما ظهرت جبهة لتحرير دارفور تحولت بعد شهر إلى "حركة جيش تحرير السودان"، في تشابه ذي دلالة مع اسم الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب.

وإذا كان الإهمال والتبسيط من الأسباب الرئيسية في استمرار الاضطرابات في المناطق المهمشة في السودان فإن اتخاذ هذه الاضطرابات أشكال التمرد المسلح، حسب ما يرى مراقبون للشأن السوداني، يعود إلى إعلان الرئيس السوداني الفريق عمر حسن البشير وعدد من قيادات حكومته في أكثر من مناسبة أنهم "لن يتعاملوا إلا مع المعارضين الذين يرفعون السلاح".

وفد حكومة الخرطوم المشارك في مفاوضات نيروبي بشأن الحرب الدائرة في جنوب السودان (أرشيف)
وثمة تفسير آخر للتمرد الأخير بغرب السودان تبنته هذه المرة حكومة الخرطوم إذ اتهمت حركة التمرد الجنوبية، الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي يتزعمها جون قرنق بمساعدة وتسليح حركة التمرد في ولاية شمال دارفور. حيث "أكد" حاكم الولاية, اللواء إبراهيم سليمان وجود طائرات تنقل أسلحة إلى "الخارجين عن القانون في دارفور". ودعم ذلك بالقول إن القوات الحكومية عثرت على جثث أعضاء في الجيش الشعبي لتحرير السودان شاركوا في الهجوم على الفاشر الأسبوع الماضي.

ويجد هذا التبرير مسوغا إذا ما نظر إليه من جهة أن حركة قرنق، التي تكاد تحصل على الكثير من مطالبها من الحكومة في الخرطوم عبر مفاوضات ماشاكوس في كينيا، ستجد الكثير من العون في قيام حركة مسلحة في مناطق أخرى من السودان تجعل المفاوضين الحكوميين يعجلون بتوقيع اتفاق مع الحركة للتفرغ لرأب هذا الصدع الجديد القديم.

ويدعم هذا التبرير أيضا أن المتمردين الجنوبيين يطالبون بضم مناطق مهمشة في غرب السودان إلى حدود المناطق التي سيحكمونها في الفترة الانتقالية التي ستلي الاتفاق المحتمل بين طرفي المفاوضات.

وإذا كانت الوقائع على الأرض تشير إلى أن القوات الحكومية ستنجح في إخماد هذا التمرد للفارق الكبير في القوة التسلحية، إلا أن هذه الحركة المتمردة -كمثيلاتها من الحركات الناشئة- لا تطمح بالضرورة في تحقيق أهدافها "السياسية" على الفور ومن المحاولة الأولى، لكنها ستظل تؤرق السلطات في الخرطوم وتغوي المنطقة المهمشة الأخيرة "النائمة" في شمال السودان.
_______________
*الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة