مخرج عراقي يقف وسط ركام مبنى الإذاعة والتليفزيون العراقي الذي دمر بالكامل خلال العمليات الجوية الأميركية على بغداد (الفرنسية)

تواجه الولايات المتحدة التي نشرت أعدادا كبيرة من قواتها في عموم أرجاء العراق معضلة كبيرة قد تلقي بضلالها على جهود إعادة إعمار البلاد. وتتمثل المعضلة ببساطة في أنه كلما طال بقاء قوات الاحتلال في العراق كلما زاد خطر إذكاء المشاعر المعادية للولايات المتحدة. وكلما كان رحيلها سريعا فستكون الفوضى التي تخلفها وراءها أكبر وهو ما قد يؤدي إلى نفس النتيجة فراغ في السلطة قد تسده القوى المعادية لواشنطن.

وقالت ماري سلوتر عميدة كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون "كلما طال بقاؤنا كلما أصبحت القومية العراقية أكثر تنظيما وتحولت إلى قوة موحدة يعبر عنها من خلال معارضة شديدة ومتزايدة للوجود الأميركي، لكن إذا غادرنا قبل الأوان فإن خطر ظهور حكومة يقودها رجال دين شيعة تتحالف مع إيران وتدعو إلى حكم ديني معاد لأميركا يظل قائما".

وفوجئ المسؤولون الأميركيون بسرعة تأكيد الشيعة لأنفسهم في ظل فراغ السلطة الذي خلفه انهيار حكومة صدام حسين بعد 24 عاما في الحكم.

وأعرب جي برايان إتوود وهو رئيس سابق للوكالة الدولية للتنمية في الولايات المتحدة ويشغل الآن منصب عميد معهد همفري للشؤون العامة في جامعة مينيسوتا الأميركية عن ثقته بأن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش صدمت لظهور الشيعة وإطلاقهم العنان "لشيء ما ولا أعرف ماذا يمكنهم عمله لوقفهم".

مواطن عراقي يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المكتبة الوطنية التي تعرضت لأعمال سلب ونهب (رويترز)

وحسبما يشير جوزيف برودي مؤلف كتاب "العراق الجديد: إعادة بناء الدولة من أجل الشعب" الذي صدر مؤخرا فإن الصلات القائمة منذ فترة طويلة بين رجال دين شيعة أخذوا مواقع قيادية في جنوب العراق وبين أقرانهم في إيران يهدد بتقصير أمد أي شهر عسل يمكن أن تتوقعه القوات الأميركية. وقال برودي وهو يهودي من أصل عراقي "من الواضح أن إيران تمارس بالفعل نفوذها والحكومة الإيرانية راغبة على ما يبدو في أن ترى حكومة من رجال الدين في العراق على غرار حكومتها".

ومثل هذه النتيجة ستكون غير مقبولة في واشنطن التي ستحتاج حتى تمنع حدوثها للعثور على قوى سياسية عراقية معتدلة وتعززها. وليس واضحا إلى الآن حقيقة ما يريده غالبية العراقيين. وفيما يبدو كان بعض المحافظين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وفي دوائر أخرى في الحكومة الأميركية توقعوا عودة بعض الزعماء العراقيين في المنفى مثل أحمد الجلبي، لكنه لم ينجح في تحقيق قدر كبير من الحماس بين زملائه من الشيعة العلمانيين كما أنه يفتقر تماما لأي جاذبية بين الشيعة المتدينين.

وفي نفس الوقت يواجه الأميركيون وشركاؤهم العراقيون مهمة جسيمة لإعادة بناء إطار قانوني قد يساعد على إدارة مجتمع قائم على حكم القانون يمكن أن تزدهر خلاله حياة تجارية متحررة من الفساد. ويعني ذلك وضع قوانين جنائية ومدنية وتوظيف رجال شرطة وقضاء ومحامين ومديري سجون ثم كتابة دستور في وقت لاحق. وفي الوقت الراهن لا أحد يعرف من سيفعل كل هذه الأشياء ومتى.

ويعتقد محللون كثيرون أنه لا خيار أمام الرئيس الأميركي سوى التراجع عن رفضه لمشاركة الأمم المتحدة في مهمة إدارة العراق إلى حين إقامة بنية تحتية مادية وسياسية وقانونية قادرة على العمل.

المصدر : الجزيرة + رويترز