كيف ينظر القانون الدولي إلى اعتقال المسؤولين العراقيين؟
آخر تحديث: 2003/4/20 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/2/19 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/4/20 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/2/19 هـ

كيف ينظر القانون الدولي إلى اعتقال المسؤولين العراقيين؟

محمد عبد العاطي*

ما السند القانوني للولايات المتحدة في ما تقوم به حاليا من عمليات اعتقال لمسؤولين عراقيين في حكومة الرئيس العراقي صدام حسين وحزب البعث؟ وكيف ينظر القانون الدولي إلى الإعلان عن قائمة تضم 55 مسؤولا عراقيا تود واشنطن إما أسرهم أو قتلهم؟ هل تمنحها اتفاقية جنيف التي تحدد سلطات قوات الاحتلال هذا الحق؟

الأستاذ الدكتور جعفر عبد السلام أستاذ القانون الدولي ورئيس قسم القانون بجامعة الأزهر يجيب.

بداية دكتور جعفر ومن وجهة نظر قانونية، ما التكييف القانوني لعمليات الاعتقال التي تقوم بها القوات الأميركية حاليا لمسؤولين سابقين في الحكومة وفي حزب البعث العراقيين؟

للإجابة عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة المشابهة والتي تبحث في مدى قانونية ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في العراق تنطلق من مسلمة لا خلاف بين فقهاء القانون عليها، هذه المسلمة هي أن الحرب التي شنتها هاتان الدولتان من أساسها هي حرب غير شرعية، حيث لم تفوضهما الأمم المتحدة بذلك، وبالتالي فكل ما يترتب على ذلك هو عمل غير شرعي، وادعاؤها بأنها شنت هذه الحرب دفاعا عن النفس هو ادعاء باطل قانونا. لأنها لم تتعرض لعدوان من العراق فتدافع عن نفسها، ولم يمثل العراق لها تهديدا وهو الضعيف المحاصر، كما أن الأمم المتحدة لم تسمح بتوجيه عمل من أعمال القوة للعراق.

بل إننا نقول كأساتذة قانون، وهذا ما أجمع عليه المتخصصون في هذا المجال وكان آخرهم كبار أساتذة القانون الدولي الذين اجتمعوا في ندوة "العدوان على العراق ومستقبل النظامين العربي والدولي" والتي عقدت في جامعة الأزهر يوم الأربعاء الماضي 16 أبريل/ نيسان 2003، إن
ما قامت به الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أثناء المعارك هو اعتداء على القانون الدولي الإنساني بصفة خاصة إذ وجهت ضربات عنيفة إلى المدنيين والأهداف المدنية وقتلت وجرحت وشردت الآلاف، وعاملت الأسرى معاملة تخالف القواعد الدولية.

هل حدد القانون الدولي في هذه الحالة، حالة قيام دولة بحرب غير مشروعة على دولة أخرى، مسؤوليات معينة؟

بالتأكيد، القانون الدولي التفت إلى هذه المسألة ولم يترك هذه الثغرة، فمع تسليمه بعدم شرعية الحرب إلا للسببين اللذين ذكرتهما (الدفاع عن النفس أو حالة من حالات اختراق الأمن الجماعي بعد تفويض من الأمم المتحدة) فإنه حدد مسؤولية دولية على المحاربين، وفي حالتنا في العراق فإن القانون الدولي يطالب المحاربين الأميركيين والإنجليز برزمة من المطالب، ويحملهما مسؤولية معينة تقتضي في حال التزامهما بهذه المسؤولية عمل الآتي:

  • عدم الاعتراف بآثار العدوان أو ترتيب أية نتائج عليه بما في ذلك تكوين حكومات عميلة في العراق تحت أي مسمى.
  • ضرورة تعويض العراق عن الأضرار التي نجمت عن الحرب.
  • ضرورة ترتيب المسؤولية الشخصية عن ارتكاب الجرائم ضد السلام بشن حرب غير مشروعة على العراق، وجرائم ضد الإنسانية، مع تقديم المسؤولين عنها للمحكمة الجنائية الدولية أو لأي محكمة جنائية داخلية تسمح بالمحاكمة.

وهنا تجيء أهمية النشاط الذي يقوم به بعض القانونيين العرب حاليا لتجميع أدلة دامغة تدين المسؤولين الأميركان والبريطانيين بداية ببوش وبلير ومرورا برمسفيلد وهون وفرانكس وغيرهم من المسؤولين العسكريين والسياسيين المتورطين في هذه الحرب، وسوف يطالب هؤلاء القانونيون بمحاكمة المسؤولين الأميركان والبريطانيين هؤلاء كمجرمي حرب، ويلاحقونهم في المحاكم المختصة بذلك، خاصة ونحن نعلم أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.

بالرغم من الأنباء التي ترددت في وسائل الإعلام الأميركية وتحدثت صراحة عن اعتزام واشنطن إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق، تصرح الإدارة الأميركية رسميا بأن "وجودها" في العراق مؤقت، فهل يرتب القانون الدولي على القوات المحتلة مسؤوليات أخرى غير ما هو شائع من ضرورة تحمل القوات المحتلة لمسؤوليتها بحفظ الأمن والنظام؟

للأسف الشديد هذه المعلومات لم تكن غائبة عنا، واسمح لي قبل الإجابة المباشرة عن سؤالك هذا أن أستطرد قليلا لمزيد من الفهم والإدراك لما بدأت تبوح به بعض وسائل الإعلام الأميركية كما ذكرت أنت في سؤالك؟ فقد كنا، كما قلت لك في الندوة السابق الإشارة إليها، قد تعرضنا لهذا الموضوع، وتحديدا قال فيه الأستاذ الدكتور محمود سالم الشيخ نائب رئيس جامعة فلورنسا بإيطاليا إن ما يجري في العراق حاليا ليس وليد اللحظة، وإنما هو تنفيذ لمخططات عمرها أكثر من عشر سنوات، وسينفذها قادة أميركا أيا كانت انتماءاتهم. بل إنه أشار إلى ما هو أبعد من ذلك حيث ذكر أن الخطر في منطقتنا العربية ليس سياسيا أو اقتصاديا فقط بل يشمل أبعادا دينية أيضا حيث أعلنت وسائل الإعلام الأميركية ذاتها عن جماعات التبشير التي ستعمل في العراق.

واسمح لي أيضا أن أنقل لك ما قاله في هذا الموضوع الأستاذ الدكتور محمد منصور والأستاذ الدكتور أحمد صدقي الدجاني حيث أثبتا بالأدلة أن المخططات الأميركية تهدف إلى:

  • تفتيت دول المنطقة وإقامة دويلات صغيرة تكون إسرائيل كبراها.
  • وإقامة حكومة عميلة في العراق تقترب من إسرائيل وتسمح لهجرات فلسطينية إليها مما يخفف ضغوط الفلسطينيين على إسرائيل.
  • وكذلك تقويض حق العودة لهؤلاء الفلسطينيين بترتيب وطن لهم في العراق.

أما فيما يخص سؤالك المباشر عن المسؤوليات التي يرتبها القانون الدولي على الدول المحتلة وهي هنا أميركا وبريطانيا فإنه يلزمهما بـ:

  • لا بد أن تقر هاتان الدولتان المحتلتان أن احتلالهما للعراق مؤقت، ولا بد أن يتم رحيلهما سريعا.
  • لا تنقل هاتان الدولتان المحتلتان السيادة على العراق إليهما.
  • عليهما كما ذكرت أنت بنفسك في سؤالك أن تلتزما بحفظ النظام والأمن إلى أن يتم تسليم السيادة إلى الدولة المحتلة بعد زوال الاحتلال.

نأتي إلى الاستفسار القانوني الملح في الفترة الحالية، نرى يوما بعد يوم قيام القوات الأميركية بإلقاء القبض على بعض المسؤولين العراقيين سواء في الحكومة التي كانت تسيطر على الوضع قبل 9 أبريل/ نيسان الجاري أو على مسؤولين في حزب البعث، فما التكييف القانوني لهذه التصرفات؟ هل تمنح اتفاقية جنيف على سبيل المثال القوات الأميركية هذا الحق؟

لا سند قانونيا على الإطلاق لهذا الفعل. وكما قلت لك إن كل ما بني على باطل فهو باطل، وإذا كانت الحرب نفسها باطلة فإن أي عمل تأتي به القوات الأميركية والبريطانية بعد ذلك في العراق هو باطل قانونا، ولا يعترف به القانون الدولي.

تحديدا دكتور جعفر كيف نكيف عمليات الاعتقال هذه؟

هو نوع من الغصب وسوء استخدام لسلطة الاحتلال. وهو تدخل لا يحق بحال من الأحوال في شؤون العراق التي هي الآن في حكم القانون الدولي دولة محتلة لها حقوق معترف ومنصوص عليها.

أخيرا دكتور جعفر بالنسبة لحكومة الرئيس صدام حسين ما الوضع القانوني لها الآن خاصة في ظل الاحتلال الذي يسيطر على الوضع رويدا رويدا في العراق؟

أقول للأسف إن القانون الدولي يعترف بمن يحوز سلطة الحكم، وأقول هنا للأسف لأن القانون الدولي لا ينظر إلى شرعية أي حكومة استنادا إلى آلية اختيارها وهل هي منتخبة انتخابا حرا ونزيها من الشعب أم أنها جاءت بعمليات التزوير وغيرها. وسبب أسفي هنا أنه لو كان القانون الدولي لا يقر بشرعية حكومة جاءت عن غير إرادة الشعوب لكان أكثر من 90% من حكومات عالمنا العربي في نظر القانون الدولي غير شرعية. ومن هنا أستطيع أن أقول لك بالنسبة لحكومة الرئيس العراقي صدام حسين، أيا كانت وجهة نظرنا فيه، فإنها في نظر القانون الدولي حكومة شرعية لأنها ببساطة كانت تحوز سلطة الحكم.
_____________
الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة