عدد من قادة المعارضة العراقية ومعهم المبعوث الأميركي خليل زادة (ثاني يمين) أثناء اجتماع في صلاح الدين شمالي العراق (أرشيف)

علي الموسوي/طهران

في مرحلة التحضيرات التي كانت تقوم بها الولايات المتحدة قبل شن الحرب، دخلت الإدارة الأميركية في مفاوضات مع بعض فصائل المعارضة وعقدت اجتماعات واشنطن الشهيرة التي تقول المعارضة إنها أكدت فيها للمسؤولين الأميركيين على عدة مبادئ رئيسية.

ومن هذه المبادئ الحفاظ على استقلال العراق ووحدته وإعطاؤها دورا رئيسيا في مستقبل العراق، أي عدم ترك أي فاصلة بين إسقاط نظام الرئيس صدام حسين وتسلم الشعب العراقي زمام أموره بيده، كما عبر زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي الذي كان له الدور الأكبر في ترتيب هذه الاجتماعات.

وكانت واشنطن كما هو واضح بصدد تشخيص الاتجاهات الرئيسية داخل المجتمع العراقي والمعارضة، وفي ضوء ذلك قياس ردود الأفعال المحتملة من شن حرب تخطط لها على العراق. وكان من المهم أيضا أن تجد الولايات المتحدة خيطا من الشرعية لحربها في إطار أجواء دولية وإقليمية رافضة لهذه الحرب.

وقد أسهمت اجتماعات المعارضة ومؤتمراتها في لندن وصلاح الدين شمالي العراق وكذلك الاجتماعات الفرعية التي كانت تتم برعاية قريبة أو بعيدة من واشنطن في تحقيق هذا الهدف، واستهدفت واشنطن على ما يبدو تشجيع مطامح بعض فصائل المعارضة في مستقبل العراق بهدف دفع هؤلاء إلى مستوى أفضل من التعاون والتنسيق.


بعد اقتراب ساعة الصفر تحولت النبرة من إيجاد نظام ديمقراطي في العراق وبأيد عراقية إلى ضرورة وجود فاصلة أميركية لحكومة عسكرية أميركية على أن تسلم الأمور فيما بعد إلى العراقيين
ولكن بعد تقدم المساعي الحربية الأميركية واقتراب ساعة الصفر أخذت الولايات المتحدة تتنصل من بعض الأمور التي تصفها بعض أطراف المعارضة بأنها تعهدات والتزامات أخذتها من الإدارة الأميركية. وتحولت النبرة من إيجاد نظام ديمقراطي في العراق وبأيد عراقية إلى ضرورة وجود فاصلة أميركية لحكومة عسكرية أميركية على أن تسلم الأمور فيما بعد إلى العراقيين.

وقد ثارت ثائرة المعارضة ولاسيما تلك التي خاضت مفاوضات مع واشنطن حيث كانت هناك حركات معارضة متنفذة في الوضع العراقي لم توافق منذ البداية على التفاوض مع واشنطن أو التنسيق معها.

واكتسى خطاب المعارضة بعد هذه التطورات بشيء من التصلب مع الطروحات الأميركية، لكنها فهمت على أنها ملاحظات ضغط وتحريك وليست مواقف جادة ضد الولايات المتحدة. ويستثنى من ذلك المعارضة الكردية المتمثلة بالحزب الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود البرزاني. فقد اتسمت علاقات الأخيرين بالإدارة الأميركية بالثبات والاستقرار وكانا دائما على صلة قريبة جدا من واشنطن، وقد توثقت هذه العلاقة أكثر بعد إصرار الولايات المتحدة على عدم السماح بدخول قوات تركية لشمال العراق دون التنسيق معها. ويذكر الزعماء الأكراد هذا الموقف بأنه نوع من الوفاء المحمود لتعهداتها لهم.

أما المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وهو الفصيل الإسلامي الوحيد الذي يخوض تجربة التنسيق مع الإدارة الأميركية وكذلك أحمد الجلبي وباقي الأطراف العلمانية التي كانت تدعو للتنسيق مع واشنطن، فقد أغاظها الموقف الأميركي في التنكر لدور المعارضة وشعروا أحيانا وكأن رهانهم على وشك أن يخسر على الإدارة الأميركية.

وبذلك توالت انتقاداتهم الحادة للموقف الأميركي وطالبوا بتغييره بكل ما يملكون من قوة. وحمل كنعان مكية في بعض مقالاته الإدارة الأميركية مسؤولة الفشل في كسب ود العراقيين، وقال في مقال له مؤخرا إن غموض الموقف الأميركي من المعارضة واستغناءهم عنها هو السبب في الصعوبات التي واجهتها القوات الأميركية في العراق.

ويذكر أن مكية كان المروج الأساسي لفكرة استقبال العراقيين للقوات الأميركية بالزهور والحلوى. وقال هؤلاء إنهم نجحوا في ذلك وطمأن الجلبي مؤتمرا للمعارضة عقد الشهر الماضي في طهران بأنه حصل على تأكيدات من مسؤولين أميركيين بأنهم غيروا خطتهم وعادوا إلى اعتماد المعارضة بدل الحكم العسكري وما إلى ذلك.

باقر الحكيم في مؤتمر صحفي بطهران

ولكن محمد باقر الحكيم الذي بعث شقيقه عبد العزيز الحكيم إلى أنقرة للاجتماع بمستشار الرئيس الأميركي في القضية العراقية زلماي خليل زادة وإبلاغه قلق المعارضة من النوايا الأميركية، لم يطمئن للوعود التي عاد بها شقيقه من زلماي. وقال في لقاء خاص إن الأميركيين لم يتخلوا تماما عن خطتهم السابقة وهم مازالوا يتحدثون عن صيغ غامضة حسب تعبيره.

ومن هنا اعتبرت تصريحات الحكيم المتشددة ضد الحرب بأنها تستهدف تطوير الموقف الأميركي أكثر من كونها تناقضا حقيقيا مع هذا الموقف. ولذا حافظ الحكيم ولا يزال على شعرة معاوية مع الإدارة الأميركية.

ولكن تهديدات وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد الأخيرة لـ "قوات بدر" واعتبارها قوات معادية سبب إحراجا إضافيا للمجلس الأعلى ولزعيمه محمد باقر الحكيم الذي شعر بأن هناك محاولة مكشوفة لرميه خارج المسرح السياسي لمستقبل العراق، خصوصا أن هذه المحاولة تأتي من الأميركيين الذين يشككون بمصداقيته كحركة إسلامية وثورية مستقلة حين قام بالتنسيق معهم. وإثر ذلك تصاعدت حدة لهجة المنتقدين لسياسته داخل هذه القوات مما دفعه إلى تشديد لهجته أكثر إزاء الأميركيين في حربهم الحالية على العراق.

وأفرزت تهديدات وزير الدفاع الأميركي واقعا جديدا على الأرض، فهناك قوة تابعة لفيلق بدر موجودة منذ مدة على الأراضي العراقية في الشمال، ويبدو أن الحكيم أراد من خلالها تحسين وضعه التفاوضي على مستقبل العراق سواء مع الأميركيين أو غيرهم.

وكانت هناك معارضة من قبل قادة ميدانيين في هذه القوات لقرار إرسالها إلى العراق لأنها ستكون أسيرة القرارات السياسية هناك، حسب وصف أحد هؤلاء الذي قال إنه لا يوجد أي أفق سياسي أو عسكري يمكن أن يبرر إرسال مثل هذه القوة إلى العراق. وشيئا فشيئا بدأ المجلس يقترب من موقف المعارضة الشيعية التي ترفض التنسيق مع الأميركيين.

عبد العزيز الحكيم يشارك في احتفالات عاشوراء في السليمانية منتصف الشهر الماضي

ويبدو أن هذا المنهج يحظى بدعم عموم الشعب العراقي الذي لا يثق بالأميركيين وكذلك المؤسسة الدينية التي تشكل المصدر الرئيسي لشرعية زعامة الحكيم، بالإضافة طبعا إلى الحركات الإسلامية المعارضة مثل حزب الدعوة الذي يملك نفوذا ملحوظا في المجتمع العراقي وباقي التجمعات الصغيرة التي تريد لأميركا أن تسقط نظام الرئيس صدام حسين ولكن دون الدخول في تفاهمات معها.

واتفقت البيانات الصادرة من هذه التجمعات بشأن الحرب على دعوة الشعب العراقي إلى اتخاذ موقف الحياد وعدم الوقوف إلى جانب ما يصفونه بعناصر النظام وأجهزته الخاصة التي تتولى الدفاع عنه ولا إلى جانب القوات الغازية.

ويبدو أن هناك تعليمات مشددة تصدر من هذه الجماعات لأنصارها في العراق -وهم ليسوا قلة خصوصا في مناطق الجنوب- بضرورة عدم الدخول في هذه المعركة بانتظار ما ستسفر عنه من نتائج.
_____________
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة