المملكة العربية السعودية ومآلات الوضع الخطير في العراق (لا ينشر)
آخر تحديث: 2003/4/19 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/2/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/4/19 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/2/18 هـ

المملكة العربية السعودية ومآلات الوضع الخطير في العراق (لا ينشر)

سعود الفيصل وفاروق الشرع وعبد الله غل وكمال خرازي أثناء حضورهم مؤتمر الرياض

فالح الخطاب*

دعت المملكة العربية السعودية إلى عقد مؤتمر إقليمي لبحث الوضع في العراق في ضوء نتائج الاحتلال الأميركي البريطاني لذلك البلد الكبير والمهم.

ودعت الرياض للاجتماع دول الجوار العراقي الست -ومن بينها المملكة ذاتها- إضافة إلى مصر بثقلها التقليدي المعروف والبحرين التي تتولى الرئاسة الدورية للجامعة العربية.

أهداف كثيرة سيقت لتبرير الدعوة السعودية للمؤتمر ونوعية المدعوين إليه واختصاص جيران العراق به وعدم توجيه الدعوة مثلا لمؤتمر عربي يضم إليه أطرافا إقليمية وربما أوروبية أخرى كما حدث قبل غزو العراق إذ حضر مندوب عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. لكن هذا ليس هو المهم فيما يتعلق بمؤتمر الرياض، إنما المهم هو تجاوز الجانب الشكلي والنفاذ إلى العمق الذي قد يساعد على تلمس الطريق بعد الأحداث الكبيرة التي تمخضت عن الغزو والاحتلال.

مؤتمر الرياض جاء ليعبر عن القلق العميق مما آل وسيؤول إليه الوضع في العراق وبالتالي الوضع في السعودية وربما في الخليج فضلا عن احتمالات الخطر الشاخص أمام سوريا وربما دول أخرى في المنطقة. فما يجري في العراق له صلة عميقة بما يمكن أن يجري في السعودية ودول أخرى. والشأن الداخلي العراقي كان وسيبقى لمدة طويلة قادمة له أبعاد خارجية شديدة الحساسية تنطوي على مضامين أمنية في دول الجوار العراقي لا سيما العربية منها. هكذا كان الحال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وهكذا هو الحال اليوم، وهو الحال نفسه الذي سيكون عليه العراق غدا إذا بقي العراق حتى الغد..


المملكة الآن تواجه وضعا غريبا وقلقا على حدودها يتمثل في العراق الكبير الذي كان دولة ومؤسسات حكم ليصبح خليطا من القوى والعشائر والتنظيمات المسلحة والطوائف والأقليات والأعراق الممتدة إلى خارج العراق وجواره بأشكال مختلفة وإن كان الشكل غير المنضبط هو السائد فيها

موضوعان مهمان يسيطران على التفكير السعودي بشكل غير رسمي أو معلن، الأول وهو الأهم ما يمكن أن نسميه بشكل دبلوماسي مهذب التركيبة الاجتماعية العراقية ثم السعودية. أما الثاني فهو النفط بوصفه مصدر الثروة والقوة في المملكة.

بخصوص ما يسمى التركيبة الاجتماعية فإن المملكة تترقب التطورات التي تجري في العراق منذ وقت طويل يسبق الأحداث الأخيرة لكن ذلك الترقب كان يشوبه قدر من الاطمئنان بسبب وجود الدولة العراقية التي كانت تمسك بقوة بمقادير البلاد حتى وإن كانت علاقات المملكة بنظام الحكم هناك غير ودية منذ عام 1990. والآن وبعد سقوط الدولة وليس فقط نظام الحكم, انكشف الوضع السعودي بشكل غير مسبوق أبدا في التاريخ المعاصر للمملكة.

المملكة الآن تواجه وضعا غريبا وقلقا على حدودها يتمثل في العراق الكبير الذي كان دولة ومؤسسات حكم ليصبح خليطا من القوى والعشائر والتنظيمات المسلحة والطوائف والأقليات والأعراق الممتدة إلى خارج العراق وجواره بأشكال مختلفة وإن كان الشكل غير المنضبط هو السائد فيها. فمجاورة عدو مهما بلغت درجة عداوته أفضل ألف مرة من مواجهة وضع هلامي قلق لا تحده حدود أو يتحكم به أحد أو يوقف زحفه واندفاعاته أحد خصوصا عندما يكون متوجها بقصد وهدف.

السعودية تحديدا تنتظر ثلاثة مخاطر يتمثل الأول في أسلوب مواجهة امتداد العدوى الطائفية التي إن فاضت في الجوار العراقي فستصل سيولها إلى الجوار السعودي الذي يعاني بصمت من تلك المشكلة منذ مدة طويلة. وتعد هذه المشكلة وضعا معقدا داخل المملكة لأسباب تتعلق بالحكومة وأخرى خارج نطاق نفوذها الحقيقي، وهنا مصدر التعقيد فيها.

فقد كانت السعودية ولسنوات تمتد لأكثر من عقد تأمل, كما أمل غيرها من النظم العربية, بحدوث تغيير في العراق يمس الحكم ولا يمس الأمور الأخرى في بلد شديد التعقيد والحساسية. وطوال سنوات كانت الحسابات تتمحور حول هذا الافتراض الذي كان يستسلم للأمنيات أكثر مما يرى الوقائع التي كانت تطلقها وترسمها الإدارات الأميركية المتعاقبة. فقانون "تحرير العراق" مثلا والذي طورته وأضافت إليه الإدارة الأميركية الحالية كان من تأليف وإنشاء إدارة بيل كلينتون الديمقراطية. وبدل أن تتحسب السعودية وغيرها للخطط الأميركية بشأن العراق والتي كانت تسير بإستراتيجية هنري كيسنجر المعروفة "الخطوة خطوة"، فإن الرياض وعواصم أخرى تركت الوضع في العراق يسير نحو الهاوية والانحدار حتى رغم القبلات والمصافحات المشهورة بين عزة إبراهيم والأمير عبد الله.

وزير الدفاع السعودي مع وزير الخارجية الإيراني قبيل مؤتمر الرياض أمس
البعد الطائفي الخطير الذي تتوجه كل الدعوات والآمال ببقائه ضمن إطار الممكن العراقي الذي ساد طيلة الفترة الماضية بعيدا عن التحريض المستتر أو التدخل الأجنبي أو سيادة صيحات الجنون والغضب من كلا الجانبين, قد يؤدي إلى عواقب غير محمودة في الجوار وخصوصا في السعودية. فتصريحات مسؤولين أميركيين كان آخرهم مدير المخابرات المركزية الأميركية الأسبق جيمس وولسي بشأن التدخل الأميركي في السعودية لصالح الأقلية الشيعية هناك يحمل أكثر من نذير خطر وأكثر من مجرد تخويف. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة عدم تورع الولايات المتحدة عن لعب ورقة الأقليات ومنها الورقة الطائفية كسلاح من أسلحة التدمير الاجتماعي وبالتالي السياسي الشامل، وهي ورقة يمكن أن تتسبب في تشظي الكثير من دول المنطقة التي تعاني من أزمات في هذا الموضوع لا تعرف كيف تحلها أو أنها تتخوف حتى من مجرد الاقتراب منها.

ودعوة إيران لمؤتمر الرياض خطوة على طريق ما تعتقد المملكة أنه حل أو مساهمة في الوقاية من خطر قد يأتي من جهة العراق. لكن لإيران حساباتها المعقدة وأوراقها التي تستطيع أن تلعب بها حتى أمد طويل قادم. والأحداث التي قادت إلى قتل السيد عبد المجيد الخوئي في النجف وبالطريقة التي جرت بها قد تشير إلى سوء حظ عدد من الدول الإقليمية -ومنها المملكة- التي راهنت طويلا على ما تتوهم أنه ضبط ممكن للورقة الطائفية في العراق. غير أن تلك الحسابات سقطت بسقوط الخوئي بيد قاتليه الذين أثبتوا على الأرض ميزان القوة الحقيقي وهو موضوع آخر ليس هذا مكانه.

ولي العهد السعودي ووزير الخارجية التركي قبيل افتتاح مؤتمر الرياض أمس
ويأتي النفط موضوعا آخر يثير قلق الرياض في العراق الذي لا يعرف أحد حتى الآن, وربما لوقت غير قصير, كيف سيكون أو يتأسس من جديد. وكما هو الحال مع إيران حاولت الرياض إشراك قوة إقليمية أخرى في الموضوع تتوجس هي الأخرى من موضوع النفط الذي يكاد يختزل موضوع الأكراد كله في العراق.. فلتركيا مصالح قريبة من مصالح الرياض في الموضوع النفطي, وإن كان على خلفية أخرى, وهي بدورها تقترب في هذا الجانب من إيران. وأسعار النفط ومن يسيطر عليه في العراق وربطه بموضوع الفدرالية والمدى الذي سيذهب إليه الأكراد في الحصول على ما يريدون أو ما لا يريدون سيحدد كثيرا إستراتيجيات المملكة.

على أن هناك موضوعا ثالثا قد يبرز بقوة في المرحلة القادمة في حال استمرار تلاشي الدولة العراقية وتحولها إلى مجموعات مسلحة بأسماء مذهبية أو عرقية أو عشائرية أو.. "إرهابية" حسب التوصيف الأميركي. وهذه المسألة قد تكون شديدة الحساسية بالنسبة للمملكة التي باتت تتحسب من نمو تيارات مسلحة تتخذ من العراق -الذي كان- أرضا للمواجهة سواء ضد الأميركيين أو ضد غيرهم وهم أكثر من طرف..

سياسيا تحرص الرياض على تلمس القوى التي ستتولى حكم العراق وتحاول إقناع القوى الإقليمية بقبول تلك القوى. هذا التسويق السعودي يحاول الآن الخروج بأقل صيغة من الخطر من المآلات التي انتهى إليها الوضع في العراق. والتحرك السعودي في هذه الحالة لا يريد التدخل في ما يعرف في السياسة بالشؤون الداخلية للعراق إنما يريد الخروج من صيغة الخطر المستفحل على حدوده ودياره. وبات معلوما الآن أن المملكة ودولا خليجية أخرى تشجع تيارا محددا -وربما أكثر- على التموضع في الساحة السياسية العراقية رغم عدم التشجيع الأميركي لطروحات هذا التيار الذي يقوده وزير الخارجية الأسبق عدنان الباجه جي.

النهاية غير المتوقعة لمآل الحرب في العراق تركت البلاد في وضع غير مسبوق، إذ لا توجد هناك دولة أو جيش أو أي من الأجهزة الأمنية التي يمكن لها أن تضطلع بأي دور ولو قليل في حفظ الأمن أو ضبط التوازن الدقيق الدقيق هناك. وهي حالة تثير الخوف بسبب انعدام وجود الدولة حتى بأبسط صورها في بلد متعدد الأعراق والمكونات وامتداد تلك الأعراق والمكونات بعيدا لجيران العراق وهم شركاء متشاكسون لا يكادون يتفقون على شيء في ضوء إرادة أميركية بعدم الاتفاق أو عدم ترحيبها بهذا الاتفاق إن وجد..

ورغم الحصار السياسي الذي فرضته الكثير من دول الجوار على النظام السياسي في العراق طيلة سنوات ورغم حالة انعدام الثقة التي صبغت العلاقات العراقية بمعظم دول الجوار باستثناء مدة قصيرة جدا لا تكاد تذكر مع سوريا في الفترة الأخيرة, فإن معظم ذلك الجوار فوجئ بحجم النتائج التي ترتبت على الحالة الجديدة في العراق.. وجاءت المفاجأة في اتجاهين، الأول كان حجم الدمار والخراب الذي عملت على إنزاله الولايات المتحدة بالعراق عن سابق قصد وتصميم ليس فقط في حجم التدمير العسكري بل كذلك بحجم التدمير المنهجي المنظم الذي أعقب أو رافق الصفحة الأخيرة من تلك الحرب.

أما الثاني فقد كان حجم الانهيار غير المحدود لأركان وأسس الدولة العراقية في وقت لم تبذل فيه قوات الاحتلال أي إشارة أو بادرة بمنع ذلك الانهيار أو التخفيف منه حتى من أجل بسط سيطرتها على البلاد أو إيجاد كادر من أي وزن للتعاون معها من أجل تنظيم وترتيب الأوضاع وبما يوحي أن التدمير والتخريب والانهيار أهداف محددة سلفا وأساسية في خطة الغزو فالاحتلال.


رغم أن الصومال كانت مثلا شاخصا أمام العالم والعرب على مدى التشظي والانهيار الذي أصابها فإن القلق والرعب الذي يساور الكثيرين في الوطن العربي خصوصا في دول الجوار العراقي لا يكاد يقارن بذلك الذي وقع بعد انفراط عقد الصومال
ورغم أن الصومال كانت مثلا شاخصا أمام العالم والعرب على مدى التشظي والانهيار الذي أصابها عقب سقوط حكومة الرئيس محمد سياد بري بداية العقد التسعيني، ورغم القلق الذي صاحب تدهور الأوضاع في تلك الدولة العربية، فإن القلق والرعب الذي يساور الكثيرين في الوطن العربي خصوصا في دول الجوار العراقي لا يكاد يقارن بذلك الذي وقع بعد انفراط عقد الصومال. فالعراق بلد قريب بل في قلب دول أساسية ومهمة، كما أن مكوناته ذات طابع خاص تحمل إمكانية الانفجار والاحتراب خصوصا بعد مرحلة طويلة من الاحتباس السلبي الخطير.

صحيح أن العراق لم يشهد احترابا سابقا بين أهله ومكوناته, كما أن النموذج اللبناني أبعد ما يكون عن الواقع العراقي، واللحمة العراقية مازالت -حتى الآن- قوية متماسكة بسبب توجهها في السابق نحو اتجاهات مؤشرة صوب وجهة محددة، فإن الرهان على استمرار هذا الأمر قد يكون استسلاما للتفاؤل أو حسن النوايا الذي لا مكان له في عالم السياسة خصوصا مع النوايا الإسرائيلية التي تطل بوجهها من وراء خطط إدارة في واشنطن يكاد يوجد إجماع على أنها تضم حفنة غريبة الرؤى والأهداف تتصرف بعيدا عن أي تفاهم عالمي أو أصول مرعية.

كما أن غياب الدولة لأول مرة في بلد شديد المركزية كالعراق قد يكون دافعا للبعض للذهاب إلى مدى أبعد من مجرد الظهور وإبراز الذات الذي يميز مثل هذه الأوقات.. خصوصا إذا توفرت نوايا من وراء الستار سواء أكانت أميركية أم إسرائيلية أم غيرها إقليمية.. وإذا كان العراق "الماضي" يتحمل قسطا من المسؤولية عما يجري الآن فإن الدول العربية تحصد الآن ثمار سياساتها في العراق ووضع البيض كله في السلة الأميركية التي لم يعد أحد متأكدا الآن أنها أميركية خالصة.
_____________________
* الجزيرة نت

المصدر : صحيفة برلنفسكي الدانماركية