شفيق شقير*

رفيق الحريري (رويترز)
كان من الممكن أن تكون استقالة الحكومة اللبنانية حدثا لبنانيا عاديا لولا الحدث العراقي، فعمر الحكومات اللبنانية منذ اتفاق الطائف قصير الأجل وتختزن في داخلها بذور انفجارها مع ولادتها لأسباب يمكن وصفها بالعادية، وأحيانا يضاف إليها أسباب غير عادية كما هو الحال مع هذه الحكومة، التي كان من المفترض أن تسقط وفق هذه الحسابات قبل هذا الأجل الذي بلغته، إلا أن انتظار بدء العمليات الأميركية العسكرية في العراق فرض تأجيلها لتتوافق مع ساعة الأحداث في المنطقة.

الأسباب المحلية
فالحكومة المستقيلة تبرأ منها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الشريك الثالث في الحكم اللبناني والأوسع نفوذا في الحياة السياسية اللبنانية وزعيم حركة أمل الشيعية، وذلك قبل أسابيع من الحرب على العراق، وكان بري يأمل أن يحصل تغيير حكومي يسمح له بتغيير ممثلي حركة أمل في الوزارة، بسبب تصاعد خلافه مع وزيري حركة أمل في الحكومة، الوزير عبد الحميد بيضون والوزير علي عبد الله، حيث اتخذت الحركة بسبب ذلك عقوبات بحق الوزيرين وقضت بفصلهما، فأصبحت حركة أمل نسبيا ضعيفة التأثير في الحكومة.

إلا أن الرغبة السورية في عدم إحداث أي تغيير وزاري لبناني بانتظار ما سيؤول إليه الأمر في الملف العراقي دفع الرئيس بري إلى الصبر، ولكنه لم يمنعه من نعي الحكومة ومواصلة التبرؤ منها عند كل مناسبة، ما جعل الحكومة مشلولة وغير قادرة على القيام بواجباتها.

ومن جهة أخرى فإن التمثيل المسيحي الناقص في الحكومة كان يشكل حافزا لإدخال تعديلات على بنيتها، كي تستوعب التطور الإيجابي في الساحة المسيحية الذي تجلى بولادة خط جديد في حزب الكتائب اللبناني برئاسة كريم بقرادوني، الذي يتخذ من البطريركية المارونية (البطريرك صفير) ومن رئاسة الجمهورية اللبنانية (الرئيس إميل لحود) مرجعا محليا لبنانيا، ومن سوريا حليفا عربيا وخيارا إستراتيجيا في السراء والضراء، ولهذا فقد كان التكهن باسم بقرادوني وزيرا في الحكومة الجديدة من التنبؤات السهلة على المراقبين السياسيين.

غزو العراق
وقد أنبأ تصاعد وتيرة التهديدات الأميركية لسوريا بأن هناك قاعدة جديد للعلاقات السورية الأميركية مازالت قيد التشكل، ولبنان جزء أساسي منها، حيث أصبحت الإدارة الأميركية تسمي الوجود السوري في لبنان احتلالا في إجراء عقابي واضح للموقف السوري من الملف العراقي، واشتد انتقادها لموقف سوريا من حزب الله المصنف إرهابيا حسب الخارجية الأميركية، وسيطر الانتقاد العنيف لسوريا وأنها تمتلك أسلحة دمار شامل في اليومين الأخيرين، حتى إن كوندوليزا رايس لم تستبعد الإجراء العسكري كخيار متاح للتعامل مع سوريا.

ومن المؤكد أن اختلاف لهجة الانتقاد الأميركي عن السابق سيحتم على سوريا أن تولي لبنان عناية أكبر من إعادة انتشار محدود للجيش السوري في بعض المناطق اللبنانية وأكثر من ترقيع للتمثيل المسيحي في الحكومة، ويرى بعض المراقبين أن هذه الاستقالة قد تفتح الباب أمام توزير بعض الشخصيات المعارضة للوجود السوري في لبنان، ولكنها تتميز أيضا بالاعتدال، مثل النائب بطرس حرب الذي ينتمي لتجمع المعارضة المناوئ للوجود السوري المسمى (بلقاء قرنة شهوان).

ومن المتوقع أن يغلب على الحكومة شخصيات ذات طابع سياسي باعتبار أن الأولوية ستكون للشأن السياسي في المرحلة المقبلة لا الاقتصادي فحسب، كما أن رئيس الوزراء المستقيل رفيق الحريري سيكلف بتشكيلها لأن سوريا ماتزال في حاجة لعلاقات الحريري الدولية ويحلو للبعض أن يطلق عليه وزير خارجية سوريا.

ومع إعلان هذه الحكومة يكون لبنان قد دخل ساحة التجاذبات الدولية مجددا، ولكنه يبدي هذه المرة التزاما بالسلم الأهلي وبالتحالف مع سوريا، وسيكون هدفا محتملا للضغوط الأميركية، مع الإشارة إلى أن البعض يطمئن بأن لبنان سيبقى بخير كيفما دارت الدوائر، لأن أميركا ستتجنب أي أذى للبنان لتثبت أنه خاضع للسياسة السورية بالإكراه ونحن (أي أميركا) قادمون لتحريره.
____________
موفد الجزيرة نت - بيروت

المصدر : الجزيرة