* كريم حسين نعمه

لم يتطلب الأمر من الولايات المتحدة بكل ما تملكه من ترسانة عسكرية سوى أربعة أسابيع لتحقيق النصر في حربها على العراق، وترافق مع حملتها العسكرية لتحقيق هذا الغرض قصف جوي وصاروخي عنيف ألحق دمارا هائلا بالبنى التحتية لهذا البلد الذي كان يئن أصلا من حصار قاس مضى عليه قرابة الـ 13 عاما.

ومما زاد الطين بلة مظاهر النهب والسلب وحرق المباني التي حدثت بعد سقوط العاصمة بغداد والمدن العراقية الأخرى من دون أن تحرك القوات الغازية ساكنا لمنع ذلك.

ومع قرب إسدال الستار على هذه الحرب، بدأت الأنظار تتجه إلى إعادة أعمار العراق سياسيا ومؤسساتيا وهي مهمة ستستغرق وقتا أطول بكثير من الوقت الذي استغرقته الحرب في بلد حكمه حزب واحد طوال ثلاثة عقود.

ولهذا الصدد شهدت مدينة الناصرية جنوب العراق الثلاثاء مباحثات تمهيدية لممثلين عن غالبية أحزاب المعارضة برعاية الولايات المتحدة حول كيفية بناء العراق الجديد بعد الإطاحة بحكومة صدام حسين. وقد أصدر المجتمعون في ختام مؤتمرهم بيانا من 13 نقطة يتضمن مبادئ تشكيل الحكومة المستقبلية في البلاد على أسس من الديمقراطية والفيدرالية واحترام التعددية. لكن تطبيق هذه المبادئ العامة يمثل معركة صعبة لأمة لم تذق طعم الديمقراطية من قبل وتتسم بالكثير من الانقسامات بين الأكراد والعرب والسنة والشيعة.

ويرى المسؤولون الأميركيون أن التجمع الذي عقد أمس قرب مدينة أور القديمة مجرد خطوة أولى قبل تنفيذ التعهد بتسليم العراق للعراقيين في أقرب وقت ممكن. ومن المقرر عقد اجتماع آخر يوم 25 أبريل/ نيسان الجاري.

شكل الحكومة القادمة

زلماي خليل زاده يجتمع مع زعماء في المعارضة بالناصرية (أ.ف.ب)
وبسبب ضبابية الموقف الأميركي حيال نموذج الحكومة القادمة في العراق، يبقى السؤال قائما حول شكل هذه الحكومة التي تصلح لبلد مثل العراق بما يضمه من مزيج عرقي وديني معقد.

ويقترح تشارلز هايمان رئيس تحرير مطبوعة وورلد آرميز وضع خارطة طريق لتحديد معالم هذه الحكومة، لكنه اعتبر تشكيل حكومة على النمط الغربي خلال أشهر ضربا من الخيال سيما وأن الأمر تطلب من مثيلاتها في الولايات المتحدة وأوروبا مئات السنين.

أما وزير الخارجية العراقي الأسبق عدنان باججي الذي أرسل ممثلا إلى اجتماع الناصرية فقد عبر عن أمله في أن تتحول هذه الاجتماعات إلى مؤتمر مماثل للمؤتمر الذي نظمته الأمم المتحدة في ألمانيا لتشكيل حكومة انتقالية في أفغانستان عام 2001.

ومن المؤكد أن كل من يتطلع إلى أفغانستان بعد الحرب كنموذج لما يمكن أن يكون عليه العراق بعد الحرب سيصاب بخيبة أمل. فمن التقاليد في أفغانستان أن يعين كبار الزعماء القبليين رئيسا جديدا وكان هناك مرشح واحد هو حامد كرزاي الذي ينحدر من البشتون أكبر الجماعات العرقية في البلاد.

لكن في العراق يشكل الشيعة نحو 60% من السكان، في حين كان للسنة دائما السيطرة على الحكم. ولا يوجد زعيم محدد في أي جماعة أو حتى آليات تقليدية لانتخاب زعيم.

ويرى بعض المحللين أن نموذج دول شرق أوروبا بعد سقوط حائط برلين هو الأقرب لحالة العراق حيث كانت توجد مجتمعات معقدة في تركيباتها تديرها دول بوليسية. وقد استعادت هذه الدول الرفاهية الاقتصادية والحكم الديمقراطي بسرعة.
فهل يطبق صانعو السياسة في واشنطن هذا النموذج أم أنهم عازمون على زرع نموذج على الطراز الأميركي كي يكون مثالا يحتذى به في الشرق الأوسط، كما يزعمون.

وبقي أن نقول إن ثمة وجه آخر من إعادة البناء يبدو أن صانعي السياسة لا يلتفتون إليه في ظل انشغالهم بما يحقق أهدافهم ومصالحهم وتبدو أنها تستحق الاهتمام، وأعني به إعادة بناء الإنسان العراقي الذي خرج من هذه الحرب والحروب التي قبلها مدمرا من الداخل بسبب ما لحق به من أضرار نفسية وصحية. وأرى ويرى معي الكثيرون أن إعادة بناء وتأهيل هذا الإنسان هي أولوية ملحة لا تحتمل التأجيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة + رويترز